(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
سورة غافر
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) }
والذي ينزل من السماء هو الماء الذي يتسبب عنه الرزق، فذكر المسبب في موضع السبب، وتكمن بلاغة المجاز في الآية الكريمة في قوة السببية بين الماء والرزق، وفي ذلك إيحاء وتنبيه للمؤمن إلى أن الرزق مصدره السماء، فليطمئن وليمض على النهج القويم، فالرزق قد قدره الله وكفله للجميع لكونه منزلًا من السماء ولا حجر على فضل الله.
(فائدة)
كثر في القرآن هذا المجاز المسمى بالمجاز المرسل المبني على علاقة المسببية بصورة أوسع من غيرها، كما في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} (غافر: 13) قد عبر عن المطر بالرزق، فأشار إلى قوة السببية بين المطر والرزق، وأهمية المطر وأنه مصدر الحياة، وفيه أن الرزق ينزل بقدر الله وفعله سبحانه، فليمضِ المسلم إذن على طريقة الخير التي رسمها له القرآن، وهو موقن أن الرزق مصدره السماء، فلا تتبدد طاقاته في الإلحاح وراء المطامع، وإنما تتركز هذه الطاقات في العمل الصالح، أعني: الذي تصلح به حياة الجماعة المسلمة.
وتجد القرآن يبرز هذه الناحية في كثير من عباراته كما يحتويها في خفاء ودقة في كثير من صياغاته وأحوال تراكيبه؛ ليعمق هذا المعنى في قلب المسلم ويطرد من أفقه مشاعر الأثرة والأنانية.
{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) }
ومن شواهد إيجاز القصر أيضًا قول الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر: 18) أي: لا شفاعة ولا طاعة، فليس المراد نفي طاعة الشفيع بمعنى أن الشفيع يوجد ولكن لا يطاع، بل المراد أنه لا شفاعة أصلًا، وانظر إلى قول الشريف الرضي:
مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ...
شعب الرحال: خشبها، إشارة إلى ركوبهم عليها ورحيلهم للقتال. أي للطعان إلى قلوب تخفق؛ أي تضطرب لفراق الأحبة، فإنه أراد أن يصف هؤلاء القوم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام، فعبّر عن ذلك بقوله: وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق
وإلى قول أبي تمام:
وظلمتَ نفسك طالبًا إنصافها ... فعجبتُ من مظلومة لم تظلم