أراد أكرهتها على تحمل الصعاب والمشاق، فأنصفتها بذلك؛ إذ أوجبت لها مجدًا عريقًا وذكرًا حسنًا، فصارت بهذا الصنيع مظلومةً لم تظلم، ومن ذلك قول الآخر:
وإن هو لم يحمل عن النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
فقد جمع في البيت الصفات الحميدة من شجاعة وسماحة ومروءة ونجدة وإغاثة ملهوف وغير ذلك؛ لأن هذه الصفات من ضيم النفس؛ إذ تجد بحملها مشقة وعناء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أوتي جوامع الكلم، والكلام الجامع هو الذي تتكاثر معانيه وتقل ألفاظه، ومن جوامع كلمه - عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار ) ) (( إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع ) ) (( إن الله لا يمل حتى تملوا ) ) (( المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسم ما اعتاد ) )فتلك ألفاظ قليلة حوت معاني كثيرة، يطول بك القول لوصفها والإحاطة بها. ومن إيجاز الكُتاب ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون بشأن رجل يهمه أمرَه إذ قال في كتابه:"كتابي هذا كتاب واثق لمن كتب إليه، معنيّ بمن كتب له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله". ولا يخفى عليك في كل ما ذكرنا ما تضمنته هذه العبارات الوجيزة، من معان غزيرة، صيغت في عبارات قليلة وألفاظ موجزة، وهذا هو شأن إيجاز القِصَر، الذي يجري مجرى الأمثال في الجمع بين الإيجاز والجمال والقوة.
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ... (28) }
وقد يكون الغرض من تقديم أحد المعمولات على الآخر هو: أن تأخيره يخل بالمعنى ويوهم خلاف المراد، كما في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}
فقد وصف الرجل بثلاث صفات: الإيمان، وكونه من آل فرعون، وكتمانه إيمانه.
وقدم: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} على: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} ؛ لأنه لو أخّر فقيل: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون؛ لتُوهم أن الجار والمجرور متعلق بالفعل: {يَكْتُمُ} ، وأن الرجل يكتم إيمانه خوفًا من آل فرعون، فهذا إخلال بالمعنى المراد؛ إذ لا يفهم منه عندئذ أن الرجل كان من آل فرعون بل يتوهم أنه كان يكتم إيمانه؛ خوفًا منهم، ففي هذا ضياع للهدف والغرض من الآيات.
إذ المراد: إبراز عناية الله تعالى ورعايته لموسى بأن جعل من آل فرعون من يدافع عنه، ويجادلهم فيه، ويناقشهم من أجله.