ومن كان له من الملوك في الدنيا عبيده، هو ملّكهم وأعطاهم، ولكنه
قاله على ما في سجايا العقول، كأنه يخبرهم - والله أعلم - بأن الذل
في القيامة شاملٌ كل من كان يتعزَّز - في الدنيا - ويتملك
على غيره، فصار - يوم القيامة - في مثل درجة من كان يتملك
عليه، واستويا معًا.
فأما عنده - جل وتعالى - فكان ذله في جميع الأوقات واحدًا، والملك
له دونه، وهو عبد من عبيده.
قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) ،
خصوص - والله أعلم - لقوله في سورة النمل: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ(89) .
فإن قيل: أليس قد قال - عز وجل -: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(109)
وهذا يدل على أنهم يفزعون، قيل: ليس ذلك - في ظاهر الأخبار - الذي حملهم على التبرؤ من العلم الفزع.
وقد وُضع عنّا تفتيش ذلك، ولا يُعلم شيء - بلفظه في القرآن - نسخه.
وقد حقق الخصوص في قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ)
قولُه: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ(18)
والظالمون هم الكافرون، في هذا الموضع، والله أعلم.
وليس قول من قال: من هول السؤال طاشت عقولهم، فلم يدروا
ما أجيبوا - قول نبي، ولا صحابي، ولا تابعي، يضيق خلافه (1) ،
والله أعلم بذلك، كيف هو.
قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ)
إلى قوله: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ(21)
دليل على أن اعتبار المأمور به العباد ليس ما يذهب إليه القائسون