قوله: (لمن تاب من الشرك) إنما خص الشرك، لأن التوبة منه مقبولة قطعاً بنص قوله تعالى:
{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] بخلاف التوبة من غير الشرك، ففيها قولان: قيل مقبولة ظناً، وقيل قطعاً، والفرق أن تعذيب العاصي تطهير، وتعذيب الكافر غضب، فمآل العاصي للجنة، وإن طالت مدته في النار، لأن معاملته بالفضل والرحمة بخلال الكافر، فمعاملته بالعدل.
{بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
«إن قلت» : إن {بَلَى} يجاب بها النفي ولا نفي في الآية؟
أجيب: بأن الآية متضمنة للنفي، لأن معنى قوله: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} لم يهدني.
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} الخ، والمعنى أوحي إليك هذا الكلام.
قوله: (فرضاً) أي على سبيل التقدير وفرض المحال، وهو جواب عن سؤال مقدر: كيف يقع الشرك من الأنبياء مع عصمتهم؟ وقيل: المقصود بالخطاب أممهم لعصمتهم من ذلك،
«إن قلت» : كان مقتصى الظاهر لئن أشركتم، فما وجه إفراد الخطاب؟
أجيب: بأن المعنى أوحي إلى كل واحد منهم لئن أشركت الخ، كما يقال: كسانا الأمير حلة، أي كسا كل واحد منا حلة.
قوله: {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} من باب تعب، وقرئ شذوذاً من باب ضرب.
قوله: {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} عطف مسبب على سبب وجملة المعطوف والمعطوف عليه جواب القسم الثاني وهو {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} ، والقسم الثاني وجوابه جواب عن القسم الأول {وَلَقَدْ أُوْحِيَ} وحذف جواب الشرط وهو إن أشركت للقاعدة.
قوله: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} عطف على محذوف، والتقدير فلا تشرك بل الله الخ.
قوله: {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} أي على ما أعطاك من التوفيق لطاعته وعبادته، لأن الشكر على ذلك، أفضل من الشكر على باقي النعم.
قوله: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
«إن قلت» : إن مفهوم الآية يقتضي أن المؤمنين يعرفون الله حق معرفته، ومقتضى قوله صلى الله عليه وسلم:"سبحانك ما عرفناك حق معرفتك"وقوله:"سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته، إنه لا يعلم الله إلا الله"فكيف الجمع بينهما؟