وقوله: {مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى} استئناف مسوق لتقرير أنه نبأ عظيم ، والملأ الأعلى هم: الملائكة {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أي: وقت اختصامهم ؛ فقوله: {بالملإ الأعلى} متعلق بعلم على تضمينه معنى: الإحاطة ، وقوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} متعلق بمحذوف ، أي: ما كان لي فيما سبق علم بوجه من الوجوه بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم ، والضمير في {يختصمون} راجع إلى الملأ الأعلى ، والخصومة الكائنة بينهم هي في أمر آدم كما يفيده ما سيأتي قريباً.
وجملة: {إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} معترضة بين اختصامهم المجمل ، وبين تفصيله بقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} .
والمعنى: ما يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين.
قال الفراء: المعنى: ما يوحى إليّ إلا أنني نذير مبين أبين لكم ما تأتون من الفرائض ، والسنن ، وما تدعون من الحرام ، والمعصية.
قال: كأنك قلت: ما يوحى إليّ إلا الإنذار.
قال النحاس: ويجوز أن تكون في محل نصب ، بمعنى: ما يوحى إليّ إلا لأنما أنا نذير مبين.
قرأ الجمهور بفتح همزة أنما على أنها وما في حيزها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل ، أي: ما يوحى إليّ إلا الإنذار ، أو إلا كوني نذيراً مبيناً ، أو في محل نصب ، أو جرّ بعد إسقاط لام العلة ، والقائم مقام الفاعل على هذا الجارّ والمجرور.
وقرأ أبو جعفر بكسر الهمزة ؛ لأن في الوحي معنى القول ، وهي: القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية ، كأنه قيل: ما يوحى إليّ إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخبار ، وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين.
وقيل: إن الضمير في {يختصمون} عائد إلى قريش ؛ يعني: قول من قال منهم: الملائكة بنات الله ، والمعنى: ما كان لي علم بالملائكة إذ تختصم فيهم قريش ، والأوّل أولى.