قال محمَّد بن سلام: قال يونس بن حبيب: ما جاءنا عن أحدٍ من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد جمعتُ لك في هذا الكتاب جُملاً التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار، ولعلّ بعضَ من يتَّسِع في العلم، ولم يعرفْ مقاديرَ الكَلِم، يظُنّ أنّا قد تكلّفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلُغه قدْرُه، كَلاَّ والذي حَرَّمَ التزيُّدَ على العلماء، وقبَّح التكلّف عند الحكماء، وبَهْرَجَ الكذَّابين عند الفقهاء، لا يظنّ هذا إلا من ضلَّ سعيُه فمن كلامه صلى الله عليه وسلم حين ذكر الأنصار فقال: أمَا واللّه ما عَلِمْتُكُمْ إلا لَتَقِلُّون عند الطمع، وتكثُرون عند الفَزَع، وقال: الناس كلُّهم سواءٌ كأسنان المُشْط والمرء كثيرٌ بأخيه، ولا خَيْرَ في صحبةِ من لا يرى لك مِثلَ ما ترَى له، وقال الشاعر:
سواءٌ كأسنانِ الحمار فلا ترى ... لِذِي شَيْبةٍ منهم على ناشئٍ فَضْلا
وقال آخر:
شبابهمُ وشِيبهمُ سواءٌ ... فهمْ في اللُّوم أسنانُ الحمارِ
وإذا حصَّلت تشبيهَ الشاعر وحقيقتَه، وتشبيهَ النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتَه، عرفت فصْلَ ما بين الكلامين.