[بلاغة النبي - صلى الله عليه وسلم -]
وروى الأصمعي وابن الأعرابي، عن رجالهما، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«إنا معشر الأنبياء بكاء» ، فقال ناس: البكء: القّلة. وأصل ذلك من اللبن.
فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول.
قلنا: ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة، وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني. والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل، والإشفاق من التكلف، وعلى تصديق قوله: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [سورة ص: 86] ،
وعلى البعد من الصنعة، ومن شدّة المحاسبة وحَصْرِ النَّفس، حتى يَصير بالتمرين والتوطين إلى عادةٍ تُناسب الطبيعة، وتَكونُ من جهة العجز ونُقصان الآلة، وقِلّة الخواطر، وسوءِ الاهتداء إلى جياد المعاني، والجهلِ بمحاسن الألفاظ، ألاَ ترى أنّ اللَّه قد استجاب لموسى عليه السلام حين قال:
{وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} [سورة طه: 27 - 37] ،