ونحن إذا تأمَّلنا بدقَّةٍ الجانبَ الخطابيَّ، والَّذي خُوطب به الناسُ عامَّة، والمؤمنون خاصَّة، وجدنا أنَّ القرآن يدعو إلى المَطالِب العالِية، والفضائل السَّامِية، والتَّشريعات الهادِية الموجِّهة إلى كل خيرٍ، والدَّعوة إلى هذه المطالب والفضائل والأخلاق والتَّشريعات في الأسلوب الخطابي القرآني، لا تقف أمام نوعٍ واحدٍ أو صورةٍ واحدةٍ مِن صُوَرِ الدَّعوة، بل إنَّنا نرى أنَّ مِن خصائص هذا القرآن البلاغية، وكماله التشريعي، أنَّه نوَّع بين أساليب الخطاب فيه للنَّفس البشرية، ومِن ثم نوَّع أيضًا المجالات المخاطب بها.
فكان بذلك أعظمَ الهداية والإرشاد للقلوب الغافلة، والعقول الحائرة، والنفوس الضالَّة.
مجالات الخطاب القرآني لأصناف الناس:
وهنا نقِف وقفةً قرآنيَّةً مع مجالات الخطاب القرآني وشموليَّته لأصناف المخاطبين، وبيان ذلك فيما يلي:
1 -خطاب القرآن للنَّاس عامَّة:
باستقراء آياتِ القرآنِ الكريم، نجد أن الله تعالى قد وجَّه الخطابَ لِعموم الناسِ في غيرِ موضعٍ من القرآن، وكلُّ خطابٍ فيه له هَدَفُه ومَقاصِدُه، ومجموع سياق هذه الآيات الواردة في خطاب النَّاس عشرون موضعًا، إلَّا خمسةَ مواضع منها، ثلاثة منها سياق خطاب الله للنَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم لدعوة النَّاس إلى اتِّباعه، والإيمان برسالته، وهى قوله تعالى:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا" [الأعراف: 158] .
وقوله سبحانه:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ" [يونس: 104] . وقوله سبحانه:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ" [يونس: 108] .
وقوله سبحانه:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ" [الحج: 49] .