جاء الفعل (يلقي) إذاً لينشئ في حس المؤمن تصورا لذي القدرة والجلال، العالي المقام في سياق النذارة (لينذر) وما كان آخذا فيه ومُنْصَبًّا إليه، ولولا (مِنْ) هذه لما استوقفنا فعل (ألقى) ليُبديَ لنا عن صفحته، وتحلى النفس بمعرفة السبب الذي جيء به من أجله في تنرله من علوه متناسقا في ظلاله مع جِرسه وإيقاعه (يلقي ... لينذر) يبعث جبريل على من يشاء من رسله لينذر أو يبلغ أو ... فلا يدفعك المَلال حين تعتاص عليك هذه الحروف إلى استكراه حالها فترميها للتناوب والتعاور، أو التعليق بمحذوف، أو ... وتصرفك عما استودعته فيها هذه اللغة الشريفة من خصائص الإتقان والصنعة وأسرار الإبداع والحكمة.
(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ...(20)
ذكر الآلوسي: والذي هذه صفاته يقضي قضاء ملتبسا بالحق لا بالباطل لاستغنائه عن الظلم، وقوله: لا يقضون بشيء تهكم بآلهتهم من باب المشاكلة وأصله لا يقدرون على شيء.
وقال القرطبي: يقضي: أي يُجازي. فتضمن القضاء معنى الجزاء.
وحكى الزمخشري: قال: لعله تضمن يحكم.
وذكر أبو حيان: لا يقضون بشيء: قَدْحٌ في أصنامهم وتهكم بهم.
وقال الطبري: فيجزي محسِنكُم بالإحسان والمسيءَ بالإساءة.
أقول: مشهد من مشاهد القيامة يتفرد فيه الجليل بالمُلك والحكم والقضاء ... موقف خاشع ورهيب يوم هم بارزون لا يخفى على اللَّه منهم شيء.
القلوب لدى الحناجر ... كاظمين ... لا شفيع ولا حميم، يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.
من المتفرد بالحكم والقضاء يوم الجزاء، يوم الفصل؟ اللَّه وحده الذي يحكم ... وبماذا؟ بالحق فقد تضمن القضاء معنى (الحكم) فتعدى بالباء.
أجل يحكم بالحق عن علم وخبرة ... عن سمع وبصر ... لا يخفى عليه شيء حنى خائنة الأعين وخافية الصدور ... لا ظلم اليوم ذلك هو الحاكم المتفرد في ملكوته فأين الذين يحكمون من دونه؟.
إن للتضمين غفيرة توجب له المزية، وتبلغ به مواقع الاستحسان، حين ضم في إهابه إلى القضاء معنى الحكم والجزاء.
(يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ...(29)
فقال الزجاج: تضمن (نصر) معنى (عصم) ، وقال الزبيدي: نجاه وخلصه. وجُل المفسرين يضمنون (النصر) معنى (المَنعَة) . قال الطبري: ينصرنا: يدفع عنا.