"لذلك لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حذيفة:"كيف أصبحتَ يا حذيفة"؟ قال: أصبحتُ بالله مؤمناً حقاً. ولما كانت كلمة (حقاً) هنا كلمة كبيرة المعنى سأله رسول الله:"وما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعَّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون، فقال له:"عرفتَ فالزم"."
ومعنى {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر: 51] أي: ينصرهم في الدنيا بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه:
{فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] إذن: فهناك نُصْرة في الدنيا ونصرة في الآخرة.
ثم يبين سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة {وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] والأشهاد جمع شهود، فالشهود يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء:
{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109] .
والمؤمنون يشهدون أنهم بلَّغوا مَنْ بعدهم:
{هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ..} [الحج: 78] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها.
وكذلك يشهد علينا الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقُتِلوا، لأن الإنسان قد يُدلس في حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبداً بعد أنْ يموت، فهو حريص أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله.
فلو تطوع إنسان لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: أنت متّ في الدنيا من أجلي فلا بدَّ أن تكون حياً عندي؛ لذلك قلنا في فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلتْ لك من الموت عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حياً عند الله، فوصلتَ حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمُتْ.
أحَمْزَة عَمّ المصْطفَى أنتَ سَيِّدٌ ... عَلَى شُهَداءِ الأرْضِ أَجْمعِهم طُرّا
وَحَسْبُكَ مِنْ تلْكَ الشَّهادةِ عِصْمةٌ ... مِنَ الموْتِ في وَصْلِ الحيَاتَيْنِ بالأُخْرى
فمَنْ ضحَّى بحياته لله فكأنه قدَّمها تحيةً لربه وإعلاءً لمنهجه، فبماذا يُحييك الله، يحييك بأنْ يعصمك بعدها من الموت.