قوله عز وجل: {لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} في {لَا} وجهان:
أحدهما: رَدٌّ لما دعاه إليه قومه، على ما حكاه صاحب الكتاب عن شيخه الخليل رحمة الله عليهما حين سأله عن قوله جل ذكره: {لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} فقال: رَدُّ الكلامِ، والمعنى: وَجَبَ لهم النار وَحَقَّ لهم أنّ لهم النار، انتهى كلامه.
و {جَرَمَ} فعل ماض بمعنى حَق وَوَجَبَ، و (أَنَّ) مع ما في حَيّزه في المواضع الثلاثة فاعله، أي: حَقَّ ووجبَ بطلانُ دعوته والرجوع إلى الله، وكون المسرفين هم أصحاب النار. أو بمعنى كسب، كقوله عز وعلا: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} ، وقول الشاعر:
560 -وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
فنصب (فزارة) بجرم، أي: كسبتهم الغضب وأوجبته لهم، فـ (أَنَّ) على هذا في المواضع الثلاثة في موضع نصب.
والثاني: أن {جَرَمَ} مبني مع {لَا} في موضع رفع بالابتداء، و (أَنَّ) مع ما في حيزه في موضع الخبر، وقد مضى الكلام على"لا جرم"فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا.
وقوله: {لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} أي: إجابة دعوة، فحذف المضاف.
وقوله: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي} يجوز أن يكون مستأنفًا، وأن يكون في موضع الحال من المنوي في {أَقُولُ} .
{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) } :