[الأعراف: 143] الحق سبحانه يريد أنْ يؤكد لموسى عليه السلام هذه القضية لا بالقول إنما بالفعل
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً} [الأعراف: 143] .
وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى: إذا كنت صُعِقْتَ - يعني: فقدتَ الوعي - من رؤية المتجلَّى عليه وهو الجبل، فكيف بك إذا رأيتَ المتجلِّي سبحانه؟
وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} [الزمر: 68] أي: شاء ألاَّ يُصعق، وهذه المشيئة مؤقتة لأن من لم يَمُتْ في هذه النفخة الأولى لابدَّ وأنْ يموت فيما بعد، وآخر مَنْ يموت هو ملك الموت حيث يقول له الحق سبحانه: مُتْ يا مَلَك الموت فيموت.
بعدها يصير الخلود بلا انتهاء.
قالوا: الذين استثناهم الله من هذه النفخة هم الملائكة الموكَّلون جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام فيمَنْ استثنى من هذه الصعقة، فقد ورد في الحديث أنْ الصَّعْقة حدثتْ وحصل للناس غَشْيَة، وكان رسول الله أول مَنْ أفاق منها فوجد أخاه موسى عليهما السلام ممسكاً بالعرش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدْر أَصُعِق موسى فيمن صُعِق وأفاق قبلي، أم لم يُصعق.
وما دام أنه أفاق فوجد موسى بجوار العرش إذن هو لم يُصعق، ويدخل في هؤلاء الذين استثناهم الله في قوله {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} [الزمر: 68] أو أنه صُعِق لكنه أفاق من الصَّعْق قبل غيره، وهنا قال العلماء: لماذا لم يُصعَق سيدنا موسى؟ أو لماذا قَصُرَتْ مدة صَعْقته عن مدة الآخرين؟ قالوا: لأنه عليه السلام سبق أنْ صُعِقَ في الدنيا لما تجلَّى ربُّه للجبل، فشاء الله أنْ تُحتسبَ له هذه الصعقة، وأنْ تُخفَّفَ عنه صَعْقةُ القيامة.
وقوله {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} [الزمر: 68] أي: نفخة البعث، فالنفخة الأولى أماتت مَنْ لم يكُنْ قد مات، والنفخة الثانية هي البعث والخروج من القبور
{فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} [يس: 51] هذا تصوير لهيئة الصعقة، وكيفية الخروج من القبور {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68] .