إن كنت يا محمد تريد مالاً جمعنا لك المال، وإن كنتَ تريد مُلْكاً ملَّكناك علينا ونجعلك سيدنا، وإن كنتَ تريد الزواج زوّجناك بأفضل نسائنا، واسكت عن هذا الأمر الذي تدعو إليه، وانْتَهِ، عن سَبِّ آلهتنا.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمع؟ قال: نعم أسمع فقرأ عليه من أول سورة فُصِّلت إلى أن وصل {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .
وعندها قام عتبة ووضع يده على فم رسول الله، وقال: سألتُكَ بالرحم ألاَّ تكمل ما قرأتَ، لماذا؟ لأنه علم أن محمداً لا يقول شيئاً إلا وقع، وبعدها اعتزل عتبة قومه حتى قالوا: لقد صبأ عتبة، لقد طمع فيما عند محمد من الخير، يعني: افتقر إلى ما عند محمد من المال، وسمع عتبة هذا الكلام لكنه لم يُجِبْ.
وبعد ذلك قال لهم: لا والله ما صبأت ولكني خِفْتُ على قومي إنذارَ محمد بصاعقة تحلّ بهم مثل صاعقة عاد وثمود، لأنني أعلم أن كل شيء يقوله محمد لا بد أنْ يقع، فأنا أنجيكم من هذا بأنْ أجعله لا يكمل هذه الآية .. وظل رسول الله يقرأ السورة إلى السجدة.
الحق سبحانه وتعالى حينما يعطي كلاماً نظرياً يُؤيده بواقع، وقريش تعلم قصة عاد وثمود، لكن ما هي الصاعقة؟ الصاعقة هي الشيء الذي يصعق ما تحته، قد يكون ريحاً مدمرة، وقد يصطحب معه ناراً محرقة، والقرآن قال: صاعقة، وسمَّاها صيحة وقال: ريحاً صرصراً عاتية.
{إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}
قوله: {جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ ..} [فصلت: 14] هكذا بالجمع مع أن الكلام عن عاد وثمود ولكل منهما رسول الله واحد، فلماذا جمع وقال الرسل؟ قالوا: لأن كل رسول يأتي يُؤمر من الله أنْ يأمر قومه بأنْ يؤمنوا بالرسل السابقين، وأنْ يؤمنوا كذلك بمَنْ يأتي من الرسل بعده، فكأن عاداً وثمود حينما يؤمنون برسولهم يؤمنون كذلك بكل الرسل، أو أنهم كانوا متفرقين في المواقع، بحيث يكون لكل موقع رسول خاص، فتعدد الرسل بتعدّد المواقع.