بدأت الآية الكريم بالقسم (فلا اقسم) وقد تحدثنا في الآية السابقة عن هذه الصيغة في القسم وقد أقسم الله تعالى بالنجوم لعظمتها وهي من المدركات الحسية تمثل نظام الكون ومداراته المنظمة من غير تصادم فيما بينها وهكذا. ومن احتجاج الخالق على البشر في بديع صنعه وقدرته لكي ينتقل المخاطب بعد ذلك إلى الغيبيات التي لا تدرك بالحس، والاستدارج بالخصم إلى الاعتراف بما يجيء بعده وهو قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) فهو جواب القسم.
أما قوله تعالى: (الخنس و الكنس) فنلاحظ اختزان هاتين الكلمتين وما تحمله من دلالات ومعانٍ كثيرة لا يمكن حصرها فما عرفنا منه بعض الصفات التي أشار إليها علماء التفسير والتفسير العلمي فمعنى الخنس تحمل معاني مختلفة وهي الانقباض والاستخفاء والتأخر فيمكن حمل معنى خنس على الانقباض كما فسر به على حقيقة الانقباض و الانكماش الذي يحدث في النجوم عند موتها وتحولها إلى أقزام بيض أو على الاستخفاء وهو ما يحدث للنجوم عندما تتحول إلى نجوم نيوترونية غير مرئية أو ثقوب سوداء تختفي تماماً عن عين الناظرين فهي موجودة حقاً لكن لا نراها فالاستخفاء هنا جاء على الحقيقة وليس على المجاز.
ومنهم من حملها على الخفاء الظاهري عن أعين الناس كما فسرها أكثر المفسرين القدماء فهي تخنس أي تختفي أو استعارة عند ابن عاشور فيكون المراد بالخنس هو من بديع التشبيه، لأن الخنوس اختفاء الوحوش عن أنظار الصيادين وكذلك الكواكب و النجوم. أما (الجوار) فهي صفة للخنس وقد تحدثنا عن الجري في آيات سابقة وعلمنا أن كل النجوم و الكواكب وغيرها جارية في الفضاء قال تعالى: (وكل في فلك يسبحون) ، وقد ذكر الزركشي أن في قوله تعالى: (الجوار الكنس) حذفت الياء تنبيهاً على أنها تجري من محل اتصافها بالخناس إلى محل اتصافها بالكناس وذلك يفهم لأنه أتصف بالخناس عن حركة تقدمت كالنجوم الجارية تحت معنى الكلمة.