وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني:
سورة الزخرف
{وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (19) }
بيان في قوله: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}
-فأما قولُه تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} ، فإنما جاء على الحقيقة التي وصفتها، وذلك أنَّ المعنى على أنهم أثْبَتوا للملائكةِ صفةَ"الإِناث"، واعتقدوا وُجودَها فيهم. وعن هذا الاعتقادِ صدرَ عنهم ما صدَر من الاسْم، أعني إطلاقَ اسْمِ"البنات"، وليس المعنى أنهم وضعوا لها لفظَ"الإناثِ"أو لفظَ"البناتِ"اسْماً من غير اعتقاد معنى وإثبات صفة. وهذا محال لا يقوله له عاقلٌ. أَما تَسْمَعُ قولَ الله تعالى: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلون} فإنْ كانوا لم يزيدوا على أنْ أجرَوْا الاسْم على الملائكةِ ولم يَعْتقدوا إثباتَ صفةٍ ومعنىً بإجرائه عليهم، فأيُّ معنىً لأنْ يقال:"أشْهدوا خَلْقَهم"؟ هذا، ولو كانوا لم يَقْصِدوا إثباتَ صفةٍ، ولمْ يزيدوا على أنْ وضَعوا اسْماً، لما استحقُّوا إلاَّ اليسيرَ من الذَّم، ولما كان هذا القولُ منهم كفْراً. والأمرُ في ذلك أظْهَرُ مِنْ أن يَخْفى.
-وجملةُ الأمر أنه إنْ قيل:"إنَّه ليس في الدنيا علم قد عرض الناس فيه مِن فحشِ الغلط، ومن قبيح التورُّطِ، ومِنَ الذهاب معَ الظنونِ الفاسدةِ 3 ما عرَضَ لهم في هذا الشأن"، ظننْتَ أنْ لا يُخْشَى على من يقوله الكَذِبُ. وهل عجَبٌ أعْجَبُ من قومٍ عُقَلاء يتْلون قولَ الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ويؤمنون به، ويدينون بأن القرآن معجزٌ، ثُمَّ يَصدُّون بأوجُهِهم عن برهانِ الإِعجازِ ودليلهِ، وَيَسْلكونَ غيرَ سبيلِه؟ ولقَدْ جَنوْا، لو دَرَوْا ذاك، عظيمًا.
(فصل)
وأكثَرُ ما يكون منهم هذا التسامحُ، أعني قولَهم إنَّ"جعَل"يكون بمعنى"سمَّى"في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}