40 -ولما وصفهم فيما سلف بالعشى، وصفهم هنا بالعمى والصمم، من قبل أن الإنسان لاشتغاله بالدنيا يكون كمن حصل بعينه ضعف في البصر، وكلما زاد انهماكه فيها، كان ميله إلى الجسمانيات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل، فقال: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت تتعب نفسك يا محمد، في دعاء قومك إلى التوحيد، فأنت تسمع الحق الصم؛ أي: الذين تصامّوا عن سماعه {أَوْ تَهْدِي} وترشد إلى الحق {الْعُمْيَ} ؛ أي: الذين تعاموا عن إبصاره {و} تهدي {مَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ؛ أي: بين لا يخفى على أحد؛ أي: ومن كان في علم الله، أنه يموت على الضلالة، فهو معطوف على العمى، باعتبار تغاير الوصفين؛ أي: أنت لا تسمعهم؛ أي: لا ينتفعون بسماعك، يشير إلى أن من سددنا بصيرته، ولبسنا عليه رشده، ومن صببنا في مسامع قلبه رصاص الشقاء والحرمان، لا يمكنك يا محمد مع كمال نبوتك هدايته، وإسماعه من غير عنايتنا السابقة، ورعايتنا اللاحقة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيًّا وتعاميًا عما يشاهدونه من شواهد النبوة، وتصامًّا عما يسمعونه من بينات القرآن، فنزلت الآية، وهو إنكار تعجب، من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، بعد تمرنهم على الكفر، واستغراقهم في الضلال، بحيث صار عشاهم عمى مقرونًا بالصمم، فنزل منزلة من يدعي أنه قادر على ذلك لإصراره على دعائهم قائلًا: أنا أسمع وأهدي، على قصد تقوي الحكم، لا التخصيص، فعجب تعالى منه.
ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط، بحيث لا ارعواء له عنه، لا توهم القصور من قبل الهادي، ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وحده بالقسر والإلجاء، يعني: لا يقدر على إسماع الصم وهداية العمي، وجعل الكافر مؤمنًا إلا الله وحده، لعظم قدرته وإحاطة تعلقها بكل مقدور.