ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة الدخان
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ(3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)
وقوله {يُفْرَقُ} أي: يفصل ويبين ويكتب. و {حَكِيمٍ} أي: ذو حكمة، أو محكم لا تتغير فيه.
أي: في هذه الليلة المباركة يفصل ويبين ويكتب، كل أمر ذي حكمة باهرة، وهذا الأمر صادر عن الله تعالى، الذي لا راد لقضائه، ولا مبدل لحكمه.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه:
«فإن قلت» : {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ما موقع هاتين الجملتين؟
قلت: هما جملتان مستأنفتان، فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإِنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم.
ومعنى {يُفْرَقُ} يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم.
(كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28)
قال الجمل ما ملخصه: «قوله: كَذلِكَ .. خبر مبتدأ محذوف. أي: الأمر كذلك.
فالوقف يكون على هذا اللفظ، وتكون الجملة اعتراضية لتقرير وتوكيد ما قبلها ... ويبتدأ بقوله: (وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) وهو معطوف على (كَمْ تَرَكُوا) .. أي: تركوا أمورا كثيرة (وأورثناها قوما آخرين) وهم بنو إسرائيل».
وقال الزمخشري: الكاف في محل نصب، على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها (وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) ليسوا منهم.
فعلى هذا يكون قوله (وَأَوْرَثْناها) معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف على كَذلِكَ حينئذ.
وقال الآلوسي: والمراد بالقوم الآخرين: بنو إسرائيل، وهم مغايرون للقبط جنسا ودينا. ويفسر ذلك قوله - تعالى - في سورة الشعراء: (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) وهو ظاهر في أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر، بعد هلاك فرعون وملكوها.
وقيل: المراد بالقوم الآخرين غير بني إسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك فرعون، لأنه لم يرد في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر، ولا أنهم ملكوها قط.