الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ يَوْمَ فَصْلِ اللَّهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ خَلْقِهِ بِمَا أَسْلَفُوا فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ يُجْزَى بِهِ الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءُ بِالْإِسَاءَةِ
{مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}
يَقُولُ: مِيقَاتُ اجْتِمَاعِهِمْ أَجْمَعِينَ.
عَنْ قَتَادَةَ: «يَوْمَ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ»
وَقَوْلُهُ: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا}
يَقُولُ: لَا يَدْفَعُ ابْنُ عَمٍّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ، وَلَا صَاحِبٌ عَنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ
{وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}
يَقُولُ: وَلَا يَنْصُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَسْتَعِيذُوا مِمَّنْ نَالَهُمْ بِعُقُوبَةٍ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا.
عَنْ قَتَادَةَ: «انْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ يَوْمَئِذٍ يَا ابْنَ آدَمَ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا سَعِدَ بِهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ شَرًّا شَقِيَ بِهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِ»
وَقَوْلُهُ {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ «مَنْ» فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، فَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الْمُضْمَرِ فِي يُنْصَرُونَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً وَأَضْمَرْتَ خَبَرَهُ، يُرِيدُ بِهِ: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فَيُغْنِي عَنْهُ
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ قَوْلَهُ: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ} قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَاجْعَلْ «مَنْ» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأَنَّكَ قُلْتَ:
لَا يَقُومُ أَحَدٌ إِلَّا فُلَانٌ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثَنَاءِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، يُرِيدُ: اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.