قوله تعالى: {فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ} .
آسفونا معناه أغضبونا ، وأسخطونا وكون المراد بالأسف الغضب ، يدل عليه إطلاق الأسف على أشد الغضب في قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} [الأعراف: 150] على أصح التفسيرين.
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)
قد قدمنا الكلام عليه في هذه السورة الكريمة ، في الكلام على قوله تعالى: {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً ومضى مَثَلُ الأولين} [الزخرف: 8] .
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصدون) بضم الصاد.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصدون) بكسر الصاد.
فعلى قراءة الكسر فمعنى يصدون يضجون ويصيحون ، وقيل يضحكون ، وقيل معنى القراءتين واحد. كيعرشون ويعرشون ويعكفون ويعكفون.
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود والفاعل المحذوف في قوله (ضرب) .
قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعري السهمي قبل إسلامه.
أي ولما ضرب ابن الزبعري المذكور عيسى ابن مريم مثلاً فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك ، فرحاً منهم وزعماً منهم أن ابن الزبعري خصمك ، أو فاجأك صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل.
والظاهر أن لفظة من هنا سببية ، ومعلوم أن أهل العربية ، يذكرون أن من معاني من السببية ، ومنه قوله تعالى: {مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [نوح: 25] .
أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا.
ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات.