{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ}
قوله تعالى: {مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [الدخان: 30] العذاب هو المؤلم للمادة ويكون بالنار وبغيرها، كقَطْع جزء من الجسم أو الجلد مثلاً، وقد يُضاف إلى العذاب الحسيِّ عذابٌ آخر معنوي وهو الإهانة والإذلال، وبعض الناس يتحمل العذاب الحسيَّ، ولا يتحمل أنْ تُهينه بكلمة ربما كانتْ أشدَّ عليه من العذاب.
وبنو إسرائيل كانوا يعانون العذاب بتذبيح الأبناء، ويعانون الإهانة باستحياء النساء، والنساء نقطة ضعف عند الرجل، وعِرْض ينبغي المحافظة عليه، لذلك كان التعدِّي على نساء الرجل أعظمُ إهانةَ له.
وقد تدارك الحق سبحانه برحمته بني إسرائيل ونجَّاهم من العذاب المهين {مِن فِرْعَوْنَ} [الدخان: 31] فهو سببُ هذا العذاب.
{إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} [الدخان: 31] يعني: مُتكبراً على الناس مُستعلياً عليهم {مِّنَ الْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] أي: المسرفين على أنفسهم، والمسرف هو الذي يتجاوز الحدَّ الذي وضعه الله فيه إلى غيره، ففرعون كان مُستكبراً ومسرفاً في استكباره، ويكفيه إسرافاً أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى، وأنْ يخدع قومه ويُغرر بهم.
وقلنا: فرْقٌ بين أن يكونَ الإنسان ضالاً في نفسه، وأنْ يكون ضالاً ومُضلاً للآخرين. وفرعون ضَلَّ وأضلَّ أمة بأكملها واستعبدها، وصدق القائل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتْهم أمهاتُهم أحراراً؟
{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}
الكلام هنا عن بني إسرائيل، وهم يتمسكون بهذه الآية ويبنون عليها أنهم شعب الله المختار، فيقولون: إن الله الذي خلقكم وبعث إليكم رسولاً هو الذي اختارنا على العالمين.
وهذا ادعاء باطل لأن معنى {عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32] أي: العالمين في زمانهم والمعاصرين لهم من قوم فرعون وغيرهم، وهؤلاء كانوا في الغالب وثنيين، ففضَّل الله بني إسرائيل عليهم لأنهم يؤمنون بالله وكانوا في هذا الوقت خيرة خَلْق الله جميعاً.
لكنهم أرادوا أنْ يسحبوا هذا الحكم على الناس جميعاً، وعلى العالمين في كل زمان ومكان، وهذا لا يجوز، بدليل أنهم لما خالفوا منهج الله قطَّعهم في الأرض أمماً، وبعثرهم في كل مكان عقاباً لهم.