(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
فمن ذلك قوله: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى}
قالوا: وقد ثبت أنّ أهل الجنة وغيرهم أيضا من الأحياء لا يصحّ أن يذوق الموتة الأولى التي ماتوا بها في الدنيا؛ لأنّ الموت الذي كان في الدنيا مضى وانقضى، ولا يجوز أن يعلا ويخلق مرة أخرى، فيذوقه أهل الجنة ولا غيرهم.
قالوا: على أنّه قد أخبر في غير موضع، أنّ أهل الجنة لا يموتون أبدا، ولا يألمون ولا ينقطع ويزول ما هم فيه من العيش السليم والنعيم المقيم، ومن هذه حاله لا يذوق الموت جملة، لا الموتة الأولى التي كانت في الدنيا ولا في غيرها، ووجب أن يكون قوله إلا الموتة الأولى استثناء يفسد من وجهين:
أحدهما: أن الموتة الأولى لا تصحّ أن تعاد فيذوقها أحد، والآخر: أنّ أهل الجنة لا يذوقون الموت أبدا، لا الموتة الأولى ولا غيرها.
قالوا فهذا يدلّ على أنّ هذا الاستثناء ليس من كلام الله، أو هو من كلامه غير أنّه وارد في غير هذا الموضع، أو على غير هذا الوجه، أو كان معه كلام من حكاية عن مبطل، أو قول لقائل، أو مقدم أو مؤخّر يخرجه عن الفساد والاستحالة.
فيقال لهم: لا يجب شيء ممّا قلتم، لأجل أنّ إلّا هاهنا بمعنى سوى، وسوى هو بمعنى غير، فكأنّه قال تعالى «لا يذوقون الموت غير الموت الذي كانوا ذاقوه في الدنيا، وقوله {فيها} ليس معناه أنّهم يذوقون في غيرها الموت، ولكن لما ذكر الجنة ووصفها، بأنّها دار مقامهم وقرارهم وأنّه لا دار لهم سواها، قال: {لا يذوقون فيها الموت} ومثل هذا قوله: {وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] ، يعني سوى ما قد سلف في الجاهلية، وقد يقول القائل: ما ينالك في هذا الأمر ضرر ولا حزن إلا ما نالك وسوى ما نالك، لا يريد بذلك أنّك ينالك ما قد نالك وانقضى ومضى، وإنّما يعني بذلك أنّه لا ينالك شيء غير الذي قد نالك من قبل وهذا أبين من أن يحتاج إلى إكثار.
وأمّا قولهم: إنّ أهل الجنة لو جاز أن يموتوا لم يصحّ أن يذوقوا الموتة الأولى التي كانت في الدنيا، لأنّها لا تصحّ أن تخلق وتعاد مرة أخرى، فإنّه باطل؛ لأنّ الموت المنقضي وجميع الأعراض الفانية يصحّ أن تخلق وتعاد بعد فنائها، وأن يقدّم خلقها ويؤخر أيضا، وإن استحال بقاؤها واستمرار الوجود بها وقتين فصاعدا، وقد بيّنا ذلك ودللنا على صحته في كتاب «شرح
اللّمع لأبي الحسن الأشعريّ» بما تغني الناظر فيه، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...