الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) }
قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}
وَقَوْلُهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} أَقْسَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذَا الْكِتَابِ، أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَيُّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ هِيَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ
عَنْ قَتَادَةَ، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} لَيْلَةِ الْقَدْرِ، «وَنَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتِ التَّوْرَاةُ لَسِتِّ لَيَالٍ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَ الزَّبُورُ لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَ الْإِنْجِيلُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} خَلْقَنَا بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ عُقُوبَتَنَا أَنْ تَحِلَّ بِمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَثُبْ إِلَى تَوْحِيدِنَا، وَإِفْرَادِ الْأُلُوهَةِ لَنَا.
وَقَوْلُهُ: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِي اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فِيهَا} عَائِدَةٌ عَلَى اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، يُقْضَى فِيهَا أَمْرُ السَّنَةِ كُلِّهَا مَنْ يَمُوتُ، وَمَنْ يُولَدُ، وَمَنْ يُعَزُّ، وَمَنْ يُذَلُّ، وَسَائِرُ أُمُورِ السَّنَةِ.
[عن] الْحَسَنِ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ؟ قَالَ: «إِي وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَفِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِنَّهَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، فِيهَا يَقْضِي اللَّهُ كُلَّ أَجَلٍ وَأَمَلٍ وَرِزْقٍ إِلَى مِثْلِهَا»