وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها.
وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته ، وهو مثل قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، أي: لأمرهم أن يعبدون ، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك.
ثم قال تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} ، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ومعنى {وَجَعَلُواْ} (ها هنا: (قالوا ووصفوا ، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى ، قاله مجاهد والسدي.
قال قتادة: الجزء هنا: العدل ، أي: جعل له المشركون عدلاً ، وهي الأصنام.
وقال عطاء: جزءاً ، أي: نصيباً ، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس ،
وهو معنى قول ابن عباس . وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام.
وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد:
إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ... قَدْ (تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً
أي: إن ولدت إناثاً.
وقال المبرد: الجزء: البنت.
وقوله تعالى بعد الآية: {أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} [الزخرف: 16] ، وقوله: وَجَعَلُواْ الملائكة الذين
هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً [الزخرف: 19] يدل على صحة قول مجاهد والسدي.
وقوله: {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} ، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه ، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه ، وتدبر حاله . وهو هنا الكافر.
(ثم قال تعالى: {أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} ، إلى قوله: {عَاقِبَةُ المكذبين} ، معناه ، لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم(تعالى عن ذلك علواً) كبيراً.
وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين.