وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة الزخرف
{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) }
ومن الشواهد المتداولة في استعمال"إن"في الشرط المقطوع به لمغزى بلاغي قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) }
فكونهم قوما مسرفين حقيقة متقررة، وقد استعملت"إن"في هذا الحكم المقطوع به؛ لأن المراد توبيخهم على الإسراف، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط من أصله لا يصلح، إلا لفرضه كما يفرض المحال - هذه عبارتهم - ومرادهم
بالمقام أي ما يحيط بهؤلاء المسرفين من آيات الله البينات في الكون، والنفس والقرآن، كل ذلك إذا أحسنوا تدبره يقتلع الشرط من أصله أي الإسراف في العناد والكفر.
وتأمل عبارتهم تجد فيها من الإتقان، والجزالة ما تعيا به أقلامنا.
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ (77) }
وقد درس البلاغيون حذف جزء الجملة في باب المسند إليه، والمسند ومتعلقات الفعل، كما درسوا حذف الجملة وأكثر منها في باب الإيجاز بالحذف، ولم يلتفتوا إلى حذف جزء الكلمة، وإن كان فيه من الإشارات ما يوجب على المشتغل بأسرار اللغة، وبلاغتها أن ينبه إليها، وخاصة أننا نجد في إشارات علمائنا السابقين ما يلمس الجان بالبلاغي في هذا النوع من الحذف، فهم يقولون مثلا في سبب الترخيم في قراءة: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ (77) }
قالوا: إنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن تمام الكلام، وهذه علة بلاغية؛ لأنها تشير إلى ما وراء هذا الحذف من ضيق الصدر، وغلبة اليأس ومعاناة الهول معناة شغلتهم عن إتمام الكلمة. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...