ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة الزخرف
قَوْله تَعَالَى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ لم يقل: على ظُهُورهَا، وَقد تقدم لفظ الْجمع؟
وَالْجَوَاب: أَن قَوْله: {على ظُهُوره} ينْصَرف إِلَى كلمة (مَا) وَمَعْنَاهُ: لتستووا على ظُهُور مَا تركبونه.
قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}
تعلق بِهَذِهِ الْآيَة الْقَدَرِيَّة، وَقَالُوا: حكى الله تَعَالَى عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا: لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم، ثمَّ عقبه بالإنكار والتهديد فَقَالَ: {مَا لَهُم بذلك من علم إِن هم إِلَّا يخرصون} أَي: يكذبُون، وعندكم أَن الْأَمر على مَا قَالُوا. وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: {مَا لَهُم بذلك من علم} أي: مَالهم بقَوْلهمْ إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله من علم إِن هم إِلَّا يخرصون يعْنى: فِي هَذَا القَوْل وَقد تمّ الْكَلَام على هَذَا عِنْد قَوْله: {لَو شَاءَ الرَّحْمَن مَا عبدناهم} وَالْإِنْكَار غير رَاجع إِلَيْهِ، وَيجوز أَن يحْكى من الْكفَّار مَا هُوَ حق مثل قَوْله: {وَإِذا قيل لَهُم أَنْفقُوا مِمَّا رزقكم الله قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ} وَهَذَا القَوْل حق وَصدق.
«فإنْ قيلَ» : أول الْآيَة وَآخِرهَا خرج مخرج الْإِنْكَار عَلَيْهِم فَكيف يحْكى عَنْهُم مَا هُوَ حق؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم قَالُوا هَذَا لَا على اعْتِقَاد الْحق وَلَكِن لدفع الْقبُول عَن أنفسهم، وَقد كَانُوا أمروا بِالْقبُولِ، فأرادوا أَن يدفعوا الْقبُول من أنفسهم بِهَذَا القَوْل، كَمَا أَن فِي الْآيَة الأخرى أَرَادوا أَن يدفعوا الْأَمر بِالْإِنْفَاقِ عَن أنفسهم بِمَا قَالُوهُ، وَالْقَوْل على هَذَا الْقَصْد غير صَحِيح.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: {مَا لَهُم بذلك من علم} أَي: مَا لَهُم فِي هَذَا القَوْل من عذر.
قَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالُوا: يَا أَيهَ السَّاحر ثمَّ قَالُوا: (إننا لَمُهْتَدُونَ بك) وَلَا يَهْتَدِي أحد بالساحر؟
وَالْجَوَاب: أَن السَّاحر عِنْدهم هُوَ الْعَالم، وَمعنى قَوْله {يَا أَيهَ السَّاحر} أَي: يَا أَيهَا الْعَالم، وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ وَغَيره.
وَقَالَ الزّجاج: قَالُوا يَا أَيهَا السَّاحر على مَا كَانُوا من قَوْلهم لَهُ.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء والسخرية وَلم يَكُونُوا اعتقدوا أَن يُؤمنُوا بِهِ.
وَقَوله: {بِمَا عهد عنْدك} إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَن مُوسَى قَالَ لَهُم: إِن آمنتم كشف الله عَنْكُم هَذِه الْعقُوبَة، وَهَذَا مَذْكُور فِي سُورَة الْأَعْرَاف على مَا سبق.
قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا آسَفُونَا}
أَي: أغضبونا وأسخطونا.
«فإنْ قيلَ» : الأسف إِنَّمَا يكون على شَيْء فَائت، وَالله تَعَالَى لَا يفوتهُ شَيْء؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ الْغَضَب كَمَا بَينا.
وَقَالَ بَعضهم: آسفونا أَي: فعلوا فعلا لَو فَعَلُوهُ مَعَ مَخْلُوق لَكَانَ متأسفا حَزينًا. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...