{حم* والكتاب المبين * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} . أي أنزلناه وسميناه وبيّناه ووصفناه. كقوله تعالى: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} ، وقوله: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً} [الزخرف: 19] ، وقوله: {الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ} [الحجر: 91] ، وقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج} [التوبة: 19] . كلّها بمعنى الوصف والتسمية ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق. {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ} يعني هذا الكتاب. {في أُمِّ الكتاب} يعني اللوح المحفوظ الّذي عند الله تعالى منه ينسخ، وقال قتادة: أصل الكتاب وجملته.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا مكي بن عيدان، حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا هشام الدستوائي، حدثني القاسم بن أبي يزه، حدثني عروة بن عامر القريشي، قال: سمعت ابن عباس يقول: إنّ أول ما خلق الله تعالى القلم وأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق والكتاب عنده ثمّ قرأ {وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب} .
{لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً} . اختلفوا في معناه. فقال قوم: أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم، وهذا قول مجاهد والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس. قال: أفحسبتم إنّه يصفح عنكم ولما تعقلوا ما أَمرتم به، وقال آخرون: معناه أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنّكم لا تؤمنون به فلا ننزله ولا نكرره عليكم، وهذا قول قتادة وابن زيد.
وقال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردّه أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة. أو ما شاءَ الله من ذلك.