وقال الدكتور/ محمد حسين الصغير:
سورة الدخان
{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) }
وفي قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}
نلحظ أن البطش واقع لا محالة، ومن قبل الله سبحانه وتعالى، فهو جار على حقيقته، وهذا هو المثبت، فالبطش إنما يقع حقيقة في اليد ذات الطول والقوة والتحطيم، فإذا أريد به المجازية نقلناه إلى المعنى الذي يصدر عادة من الجوارح، وهو هنا والله العالم ليس كذلك إذ لا يصدر عن يد، ولا يخرج من جارحة، فالله منزه عن الجوارح، بدلالة عقلية وهنا يأتي الإثبات محل الإشكال، فهو بطش لا كالبطش المعتاد، وانتقام لا كالانتقام المتعارف، وهو واقع دون شك، ولكن بغير الأدوات المعتادة، وإذا كان واقعا فالإثبات فيه حاصل، بل وأكثر من ذلك فقد أسند للبطشة الكبرى ليشمل جميع أصناف البطش، ويستوعب أشد نماذجه وأقساها، فهو كبير من كبير، وليس مما اعتاده البشر، ولا سمع به الناس، ويكفي في الدلالة على غير ذلك نسبته إلى ذاته القدسية (إنا منتقمون) لتأكيد صرامة هذا البطش، وقوة هذه الإرادة، دون استعمال الوسائل المعتادة في البطش البشري، بل فوق تصور الإنسان، بل وليس في مقدوره الإحاطة بكنهه المتطاول، وقد جاء في إثباته من الوعيد الصارم، والترهيب القاطع ما هو جلي عند أهل اللسان.
إن هذه الملاحظة لا يمكن أن تنسب إلى اللغة في دلالتها، وإنما يرجع فيها إلى العقل في إشارته وتوجيهاته في الحمل على الإرادة المجازية في النظر العقلي.
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) }
ومعلوم أن إسناد البكاء إلى السماء والأرض معا، وليس من شأن السماء البكاء، ولا من طبيعة الأرض أن تكون باكية، دلالة على إرادة الاستعمال المجازي عقلا، فالسماء على حقيقتها والبكاء على حقيقته وكذلك الأرض، ووصف السماء والأرض بأنهما يبكيان، أو نفي بكائهما كما في الآية، يقتضي أن هذا الإسناد ألصق في تصور الفجيعة، وأبلغ في تصوير النازلة، وذلك حينما أخذ هؤلاء على عجل دون أهبة أو استعداد.
ونظير هذا كثير في المجاز العقلي من القرآن. انتهى انتهى {مجاز القرآن، للدكتور/ محمد حسين الصغير} ...