قوله - عز من قائل: (حم(1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)
أي: اللوح المحفوظ، تنزيل: تيسير فهمه وتيسره للتذكر (مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) .
ثم أنشأ يذكر من نسخه الكتاب المبين بقوله - جل من قائل: (إِنَّ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) . إلى قوله: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ
آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) . ذكر عن الفراء أنه قال في قراءة عبد الله:"آيات"
في ثلاثتها، وكذلك قرأ عبد الله:"وفي اختلاف الليل والنهار"بزيادة"في".
(فصل)
قوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) و (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) و (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
أي: آيات موصلة إليه وإلى مقتضيات أسمائه وصفاته، واليقين بالحق
الذي فطر الخليقة كلها عليه في النظر في الكائنات من السماوات والأرضين وما
بين ذلك بدءًا يحصل الإيمان، ثم بمداومة البحث وتعاهد الأذكار واستصحاب
الاعتبار يترقى في الدرجات، وبالنظر من المرء في نفسه وخلقته وخلقه وصفاته
وأسمائه يتحصل اليقين، ثم بمداومة التعبد ولزوم التقوى إلى الممات يتحصل
القرب ومحض المعرفة وعليّ العلم.
ويلحق بذلك النظر في الحيوان والجماد أيضًا لكن على حكم تمهيد الشيء،
وبالنظر في النشأة الأولى تعرف النشأة الآخرة، وبالتفكر في وجود الدنيا تعقل
وجود الآخرة، وبالنظر في موجوداتها تعلم موجودات ما هنالك، وبالتذكر لصغر
الدنيا والإيمان بانقطاعها والطريق المؤدي إلى الإيمان بذلك هو في اختلاف الليل
والنهار وتعاقب الأزمان ودوران الأفلاك، ثم بذلك يعلم كبر الآخرة وسعتها
وفضلها على هذه، وطريق ذلك استصحاب حكم الشيء، وأن ذلك كله صائر من
صغر إلى كبر، وبذلك يتقرر العلم بتوالي وجود الآخرة، وهو المسمى بالخلود،
وبرؤية تيسير الله - جلَّ ذكره - إجزاءه الموجودات في الدنيا حال إعدامه إياها إلى
موجودات أخر تنشأ عن ذلك أو تفنى عندها لمعنى مرصد بها يعقل إرجاعه إياها
إليها على سبلها يوم بعثها حين إحيائها، ويحصل اليقين الحق بذلك بالوقوف على