[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 إلى 6]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)
سورة «الأحقاف» من السور التي افتتحت ببعض الحروف الهجائية، وأقرب الأقوال إلى الصواب في معناها أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى به الله - تعالى - المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة.
وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار
المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم.
وذلك مما يلفت أنظارهم، ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق، لو كانوا يعقلون.
وقد سبق أن بينا - بشيء من التفصيل - آراء العلماء في هذه الحروف المقطعة.
وقوله - تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ بيان لمصدر هذا القرآن، وأنه من عند الله - تعالى -، لا من عند غيره.
أي: أن هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - الْعَزِيزِ أي: صاحب العزة الغالبة، والسلطان القاهر الْحَكِيمِ في كل أقواله وأفعاله وتصريفه لشئون خلقه.
ثم بين - سبحانه - أنه لم يخلق هذا الكون عبثا، فقال: ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ....
وقوله: إِلَّا بِالْحَقِّ استثناء مفرغ من أهم الأحوال، وهو صفة لمصدر محذوف، وقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى معطوف على «الحق» والكلام على تقدير مضاف محذوف.
أي: ما خلقنا هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، ما خلقنا كل ذلك إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل وبالحكمة التي اقتضتها إرادتنا ومشيئتنا ..