الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ عَذَابُ اللَّهِ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ، فَرَأَوْهُ سَحَابًا عَارِضًا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي السَّمَاءِ {مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّحَابَ الَّذِي يُرَى فِي بَعْضِ أَقْطَارِ السَّمَاءِ عَشِيًّا، ثُمَّ يُصْبِحُ مِنَ الْغَدِ قَدِ اسْتَوَى، وَحَبَا بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ عَارِضًا، وَذَلِكَ لِعَرْضِهِ فِي بَعْضِ أَرْجَاءِ السَّمَاءِ حِينَ نَشَأَ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
يَا مَنْ يَرَى عَارِضًا قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُ ... كَأَنَّمَا الْبَرْقُ فِي حَافَاتِهِ الشُّعَلُ
{قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ظَنًّا مِنْهُمْ بَرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ أَنَّ غَيْثًا قَدْ أَتَاهُمْ يَحْيَوْنَ بِهِ، فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي كَانَ هُودٌ يَعِدُنَا، وَهُوَ الْغَيْثُ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"سَاقَ اللَّهُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ الَّتِي اخْتَارَ قَيْلُ ابْنِ عَنْزٍ بِمَا فِيهَا مِنَ النِّقْمَةِ إِلَى عَادٍ، حَتَّى تَخْرُجَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} "
وَقَوْلُهُ: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُودٍ لِقَوْمِهِ لَمَّا قَالُوا لَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ عَارِضِ الْعَذَابِ، قَدْ عَرَضَ لَهُمْ فِي السَّمَاءِ هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا نَحْيَا بِهِ، مَا هُوَ بِعَارِضِ غَيْثٍ، وَلَكِنَّهُ عَارِضُ عَذَابٍ لَكُمْ، بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ: أَيْ هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ، فَقُلْتُمْ: {ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ وَالرِّيحُ مُكَرَّرَةٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: {هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} كَأَنَّهُ قِيلَ: بَلْ هُوَ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ.