{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}
قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ .. } [الأحقاف: 19] لكلّ من الصنفين: المؤمنين الذي سبق ذكرهم في قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ .. } [فصلت: 30] والكافرين الذين قال الله عنهم:
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ .. } [الأحقاف: 18] .
فلكُلٍّ من المؤمن والكافر والطائع والعاصي، كُلٌّ له جزاء على قدر درجته ومنزلته {دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ .. } [الأحقاف: 19] .
ومعلوم أن الجنة درجات، وأن النار - والعياذ بالله - دركات، لذلك قال تعالى:
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .. } [النساء: 145] لكن هنا جعلها درجات للمؤمنين وللكافرين، فكيف؟
قالوا: هذا نوع من السخرية والاستهزاء بهم والتأنيب لهم، كما في قوله سبحانه:
{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الانشقاق: 24] .
ومعلوم أن العذاب لا يُبشَّر به، البشارة لا تكون إلا بشيء سارَ مفرح. إذن: هذا تهكُّم كما في
{ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] وهو في هذا الموقف مُهان مُعذَّب مُحتقر، أو: أنه يسميها (درجات) لإغاظتهم ليزدادوا تحسُّراً وألماً.
وقوله تعالى: {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ .. } [الأحقاف: 19] من الوفاء، وهو أنْ تعطي الجزاء كاملاً غير منقوص كما تقول: وفيت فلاناً دينه. يعني: أعطيتُه كاملاً {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 19] يعني: لا ينقصون من أجورهم شيئاً.
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}
التقدير هنا: واذكر يا محمد يوم يُعرض الذين كفروا على النار، فساعة ترى الظرف فابحث عن الحدث الذي فيه، لأن الزمن لا يُمدح ولا يُذمُّ لذاته، إنما بحسب الفعل الذي يحدث فيه.