[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي حجة القراءات فِي السورة الكريمة)
قَالَ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ الفارسيُّ:
ذكر اختلافهم في سورة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
[محمد: 4]
قال: قرأ أبو عمرو وحده: والذين قتلوا في سبيل الله [4] بضمّ القاف وكسر التاء وكذلك روى حفص عن عاصم.
وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: والذين قاتلوا بالألف.
قال أبو علي: الذين قاتلوا أعمّ من قتلوا ألا ترى أنّ الذي قاتل ولم يقتل لم يضلّ عمله، كما أنّ الذي قتل كذلك؟ فإذا كان قاتلوا* يشتمل القبيلين، وقد حصل للمقاتل الثواب في قتاله، كما حصل للمقتول كان لعمومه أولى، ومن قال: قتلوا حصر ذلك على المقتولين، فله أن يقول إنّ المقتول لا يقتل حتى يكون منه مقاتلة في أكثر الأمر، وإن كان كذلك فقد جعل في قتلوا ما في قاتلوا*.
[محمد: 15]
قال: قرأ ابن كثير وحده: من ماء غير أسن [محمد / 15] مقصور على وزن فعل، وفي كتابهم مفتوحة الألف لم يذكروا مدّا ولا غيره.
قال أبو زيد: يقال: أسن الماء يأسن أسنا إذا تغير، وأسن الرجل يأسن أسنا، إذا غشي عليه من ريح خبيثة، وربّما مات منها. وأنشد:
التارك القرن مصفرّا أنامله يميل في الرمح ميل المائح الأسن وقال أبو عبيدة: الأسن: المتغيّر الريح.
حجّة ابن كثير في قراءته: أسن على فعل أنّ اسم الفاعل من فعل يفعل على فعل وقد ثبت ذلك مع كثرته وفشوّه ممّا حكاه أبو زيد.
ومن حجّته: أنّهم زعموا أنّه كما كان في المصحف أو بعض المصاحف من ماء غير يسن بالياء. وهذا إنّما هو على تخفيف الهمزة، وهو في المنفصل نظير: مير، وذيب في المتصل.
وقال أبو الحسن: أسن لغة، وفعل إنّما هي للحال التي يكون عليها.
فأمّا من قال: غير أاسن على فاعل، فإنّما يريد أن ذلك لا يصير إليه فيما يستقبل، فهو من باب: بعيرك صائد غدا.