[من روائع الأبحاث]
وقال ابن فورك:
سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -
مسألة:
إن سئل عن قوله سبحانه: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)
فقال: ما الصد عن سبيل الله؟ وما إضلال الأعمال؟ وما تكفير السيئة؟
ولم كرر (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) ؟ وأي مثل جرى حتى قيل: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) ؟
الجواب:
الصد عن سبيل الله بالصرف عنه والنهي والمنع والترغيب في خلافه، كل
ذلك صد عنه، فهؤلاء كفروا [في] أنفسهم ودعوا غيرهم إلى مثل كفرهم.
إضلال الأعمال: إهلاكها حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل في أنه لا يستحق
جزا. ء عليها.
تكفير السيئة: إبطالها حتى يصير بمنزلة ما لم يقع في أنه لا يستحق به
الجزاء.
والأصل في هذا: أنه إذا لم يكن عمل لم يستحق به الجزاء، وليس إذا لم
يكن جزاء لم يستحق عمل؛ لأن الجزاء لا يكون سلًفا.
كرر (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) على اختلاف المعنى؛ لأن الأول على
ويصلح حالهم في الدين، والثاني: ويصلح حالهم في النعيم. فالأول سبب النعيم،
والثاني نفس النعيم.
فلما قال: (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) كان معناه
أنهم بمنزلة من دعاه الباطل فاتبعه، والمؤمن بمنزلة من دعاه الحق من ربه
فاتبعه.
قال قتادة: (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) حالهم.
وعن مجاهد: (بَالَهُمْ) شأنهم.
والبال لا يجمع؛ لأنه [أبهم] أخواته من الحال والشأن.
وقيل: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) من أهل دار الحرب.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)
وبقوله: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)
عن قتادة وابن جريج.
وقال ابن عباس: الفداء منسوخ. وكذلك الضحاك.
وقيل: ليست بمنسوخة بل حكمها ثابت. عن ابن عمر، والحسن، وعطاء،
وعمر بن عبد العزيز.
وكان الحسن يكره أن يفادوا بالمال ويقول: الرجل بالرجل.
وقيل: ليست بمنسوخة، والإمام مخير بين الفداء والمن والقتل، بدلالات
الآيات الأخر: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أثقالها.
مسألة:
إن سئل عن قوله سبحانه: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ(6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)
فقال: ما معنى (عَرَّفَهَا لَهُمْ) وما طبقات الجنة في النعيم؟ وما
عظيم نعيم الجنة؟ ولم جاز (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ) ولم كرر (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)
.؟ و (أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) ؟
الجواب:
معنى (عَرَّفَهَا لَهُمْ) بوصفها لهم على ما يشوق إليها ليعملوا بما
يستوجبوا لها به من طاعة الله تعالى، واجتناب معصيته.
الثاني: (عَرَّفَهَا لَهُمْ) طيبها بضروب الملاذِّ، من العَرفِ: وهو
الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس، تقبل ما تعرفه ولا تنكره.
طبقات الجنة: أرفع طبقة نعيم النبيين أعلاها، ثم طبقة نعيم المؤمنين
من غيرهم، ثم طبقة نعيم المعوضين من غيرهم، ثم طبقة المبتدئين بالتفضل
عليهم، وكل طبقة فعلى مراتب، والطبقات يتفاوت ما بينها كما(لَا يَسْتَوِي
مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ).
عظيم نعيم الجنة: السرور بإكرام الله تعالى على القيام بالنبوة، وهو حسن
من السرور، ولا يلحقه ما دونه بالتضاعيف أبدًا، ولا يكون إلا مع خلوص
النعيم من كل شائب، إذ بذلك الإجرام يتحصل على أجل حال.
جاز (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ) لأن المعنى: إن تنصروا دين الله بالدعاء إليه
والجهاد فيه، إلا أنه أضيف النصر إلى الله تفخي. ما لشأنه، وتعظي. ما لأمره،
وتلطًفا في الاستدعاء إليه، كالتلطف في (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) .
كرر (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) ، و (أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) ليكون على ما
ذكروا، وصل ذكرهم بالذم والتحقير والإخبار بسوء الحال عند الله تعالى
ليزول الاعتذار، كما يجري نقيضه من وصل ذكر المؤمن من كل ما ذكر
يرحمه الله، وعند ذكر النبي كل ما ذكر يصلي الله عليه، وعند ذكرنا الله بقوله
تعالى.
وقيل: (عَرَّفَهَا لَهُمْ) أي: يعرفون منازلهم فيها كما كانوا يعرفون
منازلهم في الدنيا.
وقيل: إن تنصروا نبي الله.
وقيل: {تعسًا} : حزًنا لهم وبلا. ء.
قال ابن زيد: شقاء لهم.
وقال الحسن: وصف لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها
بصفتها.
قيل: التعس: الانحطاط والعثار.
مسألة:
إن سئل عن قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ(11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) .
فقال: ما المولى؟ وما معنى (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وما
معنى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) وما التشبيه الذي لا يجوز أن يطلق؟ ما
المثوى؟ وما معنى (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وما الآنف؟ وما الطبع؟ وما
الهدى؟ وإذا كانت الدلائل منصوبة لجميع المكلفين فما وجه الزيادة في الهدى؟
وإذا كان التقوى فعلهم فما معنى (آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) وما وجه
الرد من ذلك على المعتزلة؟ وما الطاعة؟ ولم قيل للقول الحسن: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)
وما معنى (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) وما التدبر؟ وما الارتداد؟ وما
معنى (وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)
الجواب:
المولى: بمعنى الناصر، وكل مؤمن بالله فهو مولاه بنصرته إياه وبلطفه
وتوفيقه، وكل كافر لا مولى له ينصره من عقاب ربه فهو مسلم لهلاكه.
ومعنى و (مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت أشجارها.
ووجاز الحذف لأن التشويق إليها نقيض هذا المعنى فيها، وصار بمنزلة
المذكور، إلا أنه حذف للإيجاز مع أنه معلوم.
معنى (يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) أي: أنهم يأكلون للشره والنهم
كالأنعام؛ لأنهم جهال، وذلك أن الأكل على ضربين: أكل بهيمة، وأكل حكمة،
فأكل البهيمة للشهوة فقط، والحكمة للشهوة والمصلحة.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) أي: وكم من قرية، والأصل فيها: أي قرية، ودخلت
كاف التشبيه ليخلصه على معنى في التكثير، بأن التقدير: كأين. فيما يحتمله
من التكثير.
والتشبيه الذي لا يجوز أن يطلق، هو الذي تباعد فيه ما بين الشيئين حتى
تتفاوت، ولذلك حسن (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) كمن هو على
ضلالة؟ لتفاوت ما بين الحالين، ولو قيل: هل من كان على بينة من ربه كمن هو
على ضلالة في قيام الحجة؟ أو كانت قائمة على كل واحد منهما كقيامها على
الآخر.
وخبر (مَثَلُ الْجَنَّةِ) محذوف كأنه قيل: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، ولو
جعل المثل مقح. ما صار الخبر المذكور عن الجنة، كأنه قيل: الجنة التي وعد
المتقون فيها كذا وكذا. وذلك إشارة إلى ما تقدم من حال المؤمنين والكافرين،
كأنه قيل: ذلك الأمر في الفريقين.
(بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ)
ومولاهم: وليهم. عن مجاهد. والمتولى: المأوي والمسكن.
والآسن: المنتن. عن قتادة. أسن الماء يأسن أسًنا.
(وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: لا يلحقهم في الجنة توبيخ شيء من معاصيهم؛
لأن الله عز وجل قد سترها عليهم، فصارت بمنزلة من لم يعمل في إبطال
حكمها.
الآنف: الجائي بأول المعنى، ومنه الاستنئاف، وهو استقبال الأمر بأول
المعنى، ومنه الأنف؛ لأنه أول ما يبدو من صاحبه بشخوصه في الوجه.
الطبع:. وسْم القلب، كالختم عليه بأن صاحبه لا يفلح، والله تعالى قد طبع
على قلوب هؤلاء الكفار بأن خلق فيها الكفر وحكم لها بالكفر.
(الهوى: رقة ميل الطبع كرقة هدى الحق.
الزيادة في الهدى، تفتح الطريق إليه من جهة الخواطر الباعثة عليه أو
بتزيين دعائها إليه.
التقوى: مخلوق لله فيهم، فلذلك قال: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ويزيدهم
تقوى على تقوى، وهدى على هدى. وقيل: معنى (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)
أي: آتاهم ثواب تقواهم، أو لطف تقواهم.
والكل عندنا واجب، فإنه خالق تقواهم، وخالق لطف تقواهم، وخالق
ثواب تقواهم.
وقيل: سامع واعي، وسامع غافل، فهؤلاء المنافقون لن يعوا ما سمعوا،
وأرادوا أن يتبينوا أنهم لم يفقهوا.
والفاء في (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) بعطف جملة على الجملة فيها معنى
الجزاء، كأنه قيل: إن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها. إلا أن القراءة بفتح
{أن} .
والأشراط: العلامات.
(فَأَوْلَى لَهُمْ) وعيد، كأنه قيل: فالعقاب أولى لهم، وهو ما يقتضيه
قبح أحوالهم.
وقيل: الضمير في (زَادَهُمْ) يحتمل ثلاثة أوجه:
1 -زادهم الله.
2 -وزادهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هدى ورحمة.
3 -وزادهم استهزاء المنافقين.
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) لأنهم كانوا يأنسون
لنزول الوحي، ويستوحشون لإبطائه.
قرأ ابن كثير في إحدى الروايتين: (أنفًا) ، وقرأ الباقون: {آنفًا} بالمد.
الطاعة: موافقة الأمر، والقول الحسن يقال له: معروف؛ لأنه معروف
صحته، وكذلك الأمر بالمعروف، أي المعروف بأنه حق، والباطل منكر؛ لأنه
منكر صحته. فعلى هذا المعنى الاعتراف والإنكار.
معنى (عَزَمَ الْأَمْرُ) أي: عقد الأمر على ما يعقد عليه في تدبيره، ومثله:
وقعت عزيمة الأمر على كذا، والعازم: العاقد على الأمر بالإرادة أنه يفعله.
وقيل: معناه: عزم أهل الأمر.
التدبر: النظر في موجب الأمر وعاقبته.
الارتداد: الرجوع عن الحق في الدين إلى الباطل.
معنى (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) فيه وجهان:
الأول: قولوا: أمرنا طاعة وقول معروف. قال مجاهد: أمر الله المنافق
بذلك.
وقيل: هو حكاية عنهم، يقولون: طاعة وقول معروف، قبل فرض الجهاد؛
لأنه نقيضه (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) .
الثاني: طاعة وقول معروف أمثل أي أولى بالحق من حال هؤلاء المنافقين.
وقيل: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد.
(وَأَمْلَى لَهُمْ) الشيطان بالإطماع والإغراء.
وقيل: وأملى الله لهم فاغتروا.
وفي قوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) دليل على فساد مذهب من
يزعم أن الناس ما مكنوا من علم القرآن.
وقيل (عَزَمَ الْأَمْرُ) أي: جد الأمر.
وقيل: (سَوَّلَ لَهُمْ) أي: زين لهم.
قرأ أبو عمرو وحده: (وأُملِي) . وقرأ الباقون (وَأَمْلَى) بفتح اللام.
مسألة:
إن سئل عن قوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ(26)
إلى آخر السورة.
فقال: ما الكراهة؟ وما البعض؟ وما العالم؟ وما السر؟ وما الضرب؟
وما معنى (لَحْنِ الْقَوْلِ) ؟ وما الابتلاء؟ وما الجهاد؟ وما البصائر؟
وما الهدى؟ وما معنى (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) وما معنى (حَتَّى نَعْلَمَ) وما البخل؟ وما الإحفاء؟ وما معنى (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) ؟ ولم زهد
في الدنيا؟ ولم قدم المخاطب على الغائب في (يَسْأَلْكُمُوهَا) ؟ وكيف
شبهت الحياة الدنيا باللعب واللهو؟
الجواب:
معنى الكراهية: هي الإرادة ضد المحبوب، وقد يكون بمعنى النهي.
البعض: واحد من قسمة الجميع، والبعض نقيض الكل، والواحد في معنى
الصفة فقط، نقيض على المجاز، والواحد في نفسه ليس له نقيض.
العالم قوله علم.
السر: إخفاء المعنى في النفس، وذلك أن الإخفاء قد يكون في النفس وغير
النفس، والسر أحد قسمي الإخفاء.
الضرب حركات واعتمادات يحصل بعدها أثر في المضروب، والمعنى:
فكيف حالهم إذا توفتهم الملائكة؟ إلا أنه حذفت تفخيمًا لشأن ما ينزل بهم.
(لَحْنِ الْقَوْلِ) فحوى القول ومتضمنه. اللحن: الذهاب عن
الصواب في الأعذاب، واللحن: ذهاب بالكلام إلى خلاف جهته"بعضكم ألحن"
بحجته"أي أذهب بها في الجهات، لقوته على تصريف الكلام."
الضعف والحقد والغل نظائر.
قرأ: (إِسْرَارَهُمْ) بكسر الألف: حمزة، والكسائي، وحفص عن
عاصم، وقرأ الباقون: (أسرارهم) بفتح الألف.
الابتلاء: الاختبار. وإنما جاز ذلك في وصف الله تعالى مع علمه؛ للإعلام
لا للاستعلام، وبمعنى أنه يعامل المبتلى المختبر المظاهرة بالعذاب في
الجزاء.
الجهاد: احتمال المشقة في قتال أعداء دين الله تعالى، وأفضل الأعمال علم
الدين والجهاد في سبيل الله؛ لأن علم الدين به يصح العمل بالحق والدعاء إليه،
والجهاد داعي الحق مع المشقة فيه.
الصابر: الحابس نفسه عما لا يحل له، وهي صفة مدح.
الهدى: الدلالة المؤدية إلى الحق، الهادي: الدليل الذي يهدي إلى الحق
المطلوب، فهؤلاء الذين ذكروا في الآية كان قد تبين لهم الهدى فارتدوا عنه.
(حَتَّى نَعْلَمَ) فيه قولان:
أحدهما: حتى نعلم أوليائي.
الثاني: حتى نعامله معاملة من كان يطلب أن يعلم.
(فَلَا تَهِنُوا) لا تضعفوا. عن مجاهد.
(وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) الصلح والمسالمة.
(وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي: القاهرون الغالبون. عن مجاهد.
(وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: لم ينقصكم أجور أعمالكم. وقيل: لن
يظلمكم. وقال مجاهد: ولن ينقصكم.
وقيل (حَتَّى نَعْلَمَ) أي: حتى يتميز المعلوم. وقيل: يتبين لهم الهدى؛
لأنهم كانوا قد عرفوا الإيمان ورجعوا عنه.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (وليبلونكم حتى يعلم) . (ويبلو أخباركم)
الثلاثة بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
وقرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر (إِلَى السِّلْمِ) بكسر السين. وقرأ
الباقون بالفتح.
البخل: منع الواجب.
الإحفاء: الإلحاح في السؤال حتى ينتهي إلى مثل الحفي والمشي بغير
حذاء.
ومعنى (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) أي: ممن داعي نفسه لا عن
داعي ربه؛ لأن الله تعالى قد صرفه عن البخل.
زهد في الدنيا؛ لأنها فانية، والآخرة باقية، فمن آثر النعيم الفاني على النعيم
الباقي فهو منقوص بجهله.
(الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي: ذات لعب ولهو؛ لأن غالب أمر
الناس في الدنيا اللعب واللهو، وذلك عبث وغرور (يصرف) عن الحد الذي
يدوم به السرور.
قدم المخاطب على الغائب في (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا) لأنه ابتدأ بالأقرب مع
أنه المفعول الأول، ويجوز مع الظاهر أن يسألها جماعتكم؛ لأنه غائب مع
غائب، فالمتصل أولى أن يليه من المنفصل.
وفي سؤال الأموال بالإحفاء خروج الأضغان، وهي المشاق التي في القلوب
لذلك الإخراج.
وقيل: جعل التنبيه في موضعين للتوكيد من {هآ أنتم هؤلاء} .
وقيل: هو للتقريب، ودخل على المضمر لمشاكلته المبهم في أنه معرفة
يصلح صيغته لكل مك. نى عنه على جهة جماعة تخاطب، كما يصلح
{هؤلاء} لكل حاضر مشار إليه، ولم يجز مع الظاهر؛ لبعده مع المبهم.
داعي البخل: النفس والطبع، وداعي الجود: الحكمة والعلم.
وقيل: إنما حضهم على النفقة في سبيله لينيلهم الجزيل من ثوابه، وهو غني
عنهم وعن جميع خلقه.
وقيل: شبهت الحياة الدنيا باللعب واللهو لانقطاعها عن صاحبها بسرعة
فالتقدير على هذا: إنما الحياة الدنيا على اللعب واللهو في سرعة الانقضاء،
والآخرة كالحقيقة في اللزوم والامتداد، فإحداهما كالحقيقة والأخرى
كالمخرقة.
وقيل: يجوز أن يكون القوم الذين يستبدلون من المعلوم أنهم يخلقون بعده.
ويجوز أن يكونوا من الملائكة.
وقيل: ويخرج البخل عداوتكم.
وقيل: ويخرج الله المشقة التي في قلوبكم بسؤال أموالكم. انتهى انتهى {تفسير ابن فورك، 3/} ...