ومن لطائف ونكات تفسير الشوكاني:
سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ(2)
وَخَصَّ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى محمد صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِرَاجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الْإِيمَانِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ وَعُلُوِّ مَكَانِهِ.
(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ...(4)
وَخَصَّ الرِّقَابَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ بِقَطْعِهَا، وَقِيلَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ كَقَوْلِهِمْ: يَا نَفْسُ صَبْرًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ. وَقِيلَ:
إِنَّمَا خَصَّ ضَرْبَ الرِّقَابِ لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنَ الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ مَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الْقَتْلِ، وَهِيَ حَزُّ الْعُنُقِ وَإِطَارَةُ الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْبَدَنِ وَعُلُّوُّهُ وَأَحْسَنُ أَعْضَائِهِ.
وَإِنَّمَا أمر سبحانه بشدّ الوثاق لئلا ينفلتو، وَالْمَعْنَى: إِذَا بَالَغْتُمْ فِي قَتْلِهِمْ فَأْسِرُوهُمْ وَأَحِيطُوهُمْ بِالْوَثَاقِ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً أَيْ: فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْأَسْرِ مَنًّا، أَوْ تَفْدُوا فِدَاءً، وَالْمَنُّ: الْإِطْلَاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْفِدَاءُ: مَا يَفْدِي بِهِ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ مِنَ الْأَسْرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَتْلَ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَنَّ عَلَى الْفِدَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْتَخِرُ بِهِ، كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَلَا نَقْتُلُ الْأَسْرَى وَلَكِنْ نَفُكُّهُمْ ... إِذَا أَثْقَلَ الْأَعْنَاقَ حَمْلُ الْمَغَارِمِ
(دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا(10)
قَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ فِي «أَمْثالُها» يَرْجِعُ إِلَى «عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» ، وَإِنَّمَا جُمِعَ لِأَنَّ الْعَوَاقِبَ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْأُمَمِ الْمُعَذَّبَةِ.
وَقِيلَ: أَمْثَالُ الْعُقُوبَةِ، وَقِيلَ: الْهَلْكَةُ، وَقِيلَ: التدمير.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ. انتهى انتهى {تفسير الشوكاني} ...