وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة محمد صلّى الله عليه وسلم
[مسألة]
وربما قيل كيف قال تعالى (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) ومعلوم انهم في بعض حروبهم نصروا الله بأن جاهدوا ومع ذلك فلم ينصرهم ولم يثبّت أقدامهم؟ وجوابنا أنه لم يرد بقوله إن تنصروا الله بالاستقامة على الطاعة ينصركم في الدنيا إذ يحتمل انه يريد ان ينصركم في الآخرة ويثبت أقدامكم على الثواب لأن ذلك نصرة لهم فيجري مجرى قوله (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) فكأنه قال إن تنصروا الله يجازيكم على النصرة ويحتمل أنه يريد أن الغلبة لكم على كل حال وإن غلبتم في الظاهر لأن المغلوب إذا كان مستحقا للثواب فهو المنصور والغالب إذا كان من أهل العقاب فهو مخذول غير منصور فان قيل فقد قال تعالى بعده (وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) وكيف يصح ذلك مع الوعد لهم بالنصرة؟ وجوابنا أن المراد لانتصر منهم بالإهلاك لكنه تعالى يمهلهم وربما قالوا في قوله تعالى (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) كيف يجوز أن ينفى كونه مولى الكافرين وهو مولاهم وخالقهم ورازقهم؟ وجوابنا أن المراد بأنه مولى المؤمنين أنه المتولي لحفظهم ونصرتهم في باب الدين وذلك منفي عن الكافرين.
[مسألة]
وربما قالوا إن قوله (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ) إلى قوله (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) كيف يصح اتصال هذا الكلام بما تقدمه وإنما يحسن ذلك إذا قيل أفمن هو في الجنة كمن هو
في النار؟ وجوابنا ان معناه أفمن كان في الجنة التي مثلها هذا المثل ووصفها هذا الوصف كمن هو في النار وفي الكلام حذف لما فيه الدلالة على ذلك.