وَقَوْلُهُ: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْفَرِيقَيْنِ: فَرِيقِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَفَرِيقِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ صِفَتَهُمْ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَنَازِلُ وَمَرَاتِبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِمَّا عَمِلُوا، يَعْنِي مِنْ عَمَلِهِمُ الَّذِي عَمِلُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ صَالِحٍ وَحَسَنٍ وَسَيِّئٍ يُجَازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: «دَرَجُ أَهْلِ النَّارِ يَذْهَبُ سِفَالًا، وَدَرَجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَذْهَبُ عُلُوًّا»
{وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِيُعْطَى جَمِيعُهُمْ أُجُورَ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا، الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَالْمُسِيءُ مِنْهُمْ بِإِسَاءَتِهِ مَا أَعَدَّهُ مِنَ الْجَزَاءِ
{وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}
يَقُولُ: وَجَمِيعُهُمْ لَا يُظْلَمُونَ: لَا يُجَازَى الْمُسِيءُ مِنْهُمْ إِلَّا عُقُوبَةً عَلَى ذَنْبِهِ، لَا عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وَلَا يُبْخَسُ الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ ثَوَابَ إِحْسَانِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ... (20) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا} بِاللَّهِ {عَلَى النَّارِ} يُقَالُ لَهُمْ: {أَذَهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} فِيهَا
كَمَا [روي] عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} قَرَأَ يَزِيدُ حَتَّى بَلَغَ {وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} «تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنَّ أَقْوَامًا يَسْتَرِطُونَ حَسَنَاتِهِمْ اسْتَبْقَى رَجُلٌ طَيِّبَاتِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»
ذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: «لَوْ شِئْتُ كُنْتُ أَطْيَبَكُمْ طَعَامًا، وَأَلْيَنَكُمْ لِبَاسًا، وَلَكِنِّي أَسْتَبْقِي طَيِّبَاتِي»