وقال القاضي عبد الجبار الهمذاني (المعتزلي) :
سورة الأحقاف
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) كيف يصح ان يقول صلّى الله عليه وسلم ذلك وهو كلام شاك في أمره وأمرهم؟ وجوابنا أن المراد ما أدري ما يفعل بي ولا بكم فيما يوحى إليّ فبيّن أن الوحي يأتي في المستقبل بما لا يعلمه في الوقت وقال تعالى بعده (وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) فبيّن انه بعد نزول الوحي ينذر ويحذر وقوله تعالى من بعد (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) يعني القرآن يدل على حدوثه لأن ما تقدمه غيره لا يكون الا محدثا وكذلك قوله تعالى (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا) يدل على ذلك وقوله تعالى من بعد (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يدل على أن من هذا حاله لا تؤثر فيه أهوال الآخرة وقوله تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) يعني من جزاء ما عملوا لأنهم يتفاضلون في ذلك وكذلك قوله (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ) أي جزاء أعمالهم وقوله في الكفار (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) يدل على أنهم استحقوا العذاب لاستكبارهم وفسقهم على ما نقوله في ذلك.
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً
مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ)أليس ذلك يدل على أنه خلق حضورهم؟
وجوابنا ان قول القائل صرفت إلى فلانا فلانا يريد انه فعل ما عنده حضر من الأسباب وليس المراد أنه فعل نفس حضوره ولذلك قال تعالى (فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا) فأضاف الحضور إليهم وفي الآية دلالة على أن في الجن من آمن بالرسول وعلى أنهم مكلفون وفيهم مؤمن وكافر وعلى أنهم من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم وأنه صلّى الله عليه وسلم دعاهم كما دعا الإنس فلذلك قالوا في وصف القرآن (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) .
[مسألة]
وربما قيل في قوله تعالى (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) أن ذلك يدل على أن في الرسل من هو أولي العزم وفيهم من ليس كذلك وأنتم تنكرون هذا القول. وجوابنا أن مثل ذلك قد يذكر ويراد به الكل فالمراد بقوله (مِنَ الرُّسُلِ) تمييز أولي العزم من غيرهم دون التبعيض فلا يدل على ما ذكروه. انتهى انتهى. {تنزيه القرآن عن المطاعن / للقاضي عبد الجبار (المعتزلي) صـ 387 - 388} .