{حم} [الجاثية: 1] ، يشير بالحاء إلى حياته وبالميم إلى مودته، كأنه قال: بحياتي ومودتي لأوليائي، لا شيء أحب علي من لقاء أحبائي، ولا أعز وأحب على أحبائي من لقائي، {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} [الجاثية: 2] ؛ أي: هذا الكتاب تنزيل {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] ، على أوليائه وأحبائه.
ثم أخبر: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الجاثية: 3] الصورية والمعنوية {لَآيَاتٍ} [الجاثية: 3] ، شواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] المحبين الذين صحا فكرتهم عن سكر الغفلة وجبت سيرهم في محال العبرة، وصفاء قلبهم عن دنس البشرية، وتجلي روحهم بإطلاق الربوبية؛ فحظوا بحقائق الوصلة.
وبقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] ، يشير إلى أن العبد إذا أمعن نظره في حسن استعداده ظاهراً وباطناً، وأنه خلق في أحسن تقويم يرى استواء قده وقامته وحسن صورته وسيرته واستكمال عقله وتمام تميزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكر فيما عداه من الدواب في أجزائها وأعضائها وأوصافها وطبائعها والتمييز والعلم، ثم وقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم من بين البرية من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ثم في الإيمان، ومن الملائكة في حمل الأمانة، وتعلم علم الأسماء، ووجوه لخصائص أهل الصفوة من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمخافيات وأنواع التجليات، وما صار به الإنسان خليفة الله ومسجود ملائكته المقربين، عرف تخصيصهم بمناقبهم وانفرادهم بفضائلهم؛ فاستيقن أن الله كرمهم، وعلى كثير من المخلوقات فضلهم، وإنهم محمولو العناية في بر الملك وبحر الملكوت.