(فصل: من اللطائف الفقهية)
قال الزركشي:
[الْبِدْعَةُ]
قَالَ (ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ بِدْعَةٌ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ، وَجَعَلَ مِنْهُ (ابْنُ فَارِسٍ) فِي (الْمَقَايِيسِ) قَوْله تَعَالَى {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ. وَالثَّانِي: مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قِيَامِ (رَمَضَانَ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي (التَّتِمَّةِ) فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: الْبِدْعَةُ اسْمٌ لِكُلِّ زِيَادَةٍ فِي الدِّينِ سَوَاءٌ كَانَتْ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً، فَالْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ الطَّاعَةِ، مِثْلُ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ سَوَاءٌ وَافَقَ الشَّرْعَ أَمْ لَا بِأَنْ يَتَعَبَّدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ: وَالْمُبْتَدِعُ بِالْمَعْصِيَةِ كَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ بِهِ خَلَلٌ فِي الْعَقِيدَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ بِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَاسِقِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ: وَهَلْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) : إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَاصِينَ وَحَالُهُ فِي الْمَشِيئَةِ كَحَالِ سَائِرِ الْعُصَاةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ كَذِبٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: هِيَ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَتَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، فَأَيُّ حُكْمٍ دَخَلَتْ فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَمِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ تَعَلُّمُ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، لِأَنَّ ضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتَأَتَّى ضَبْطُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَذْهَبُ (الْقَدَرِيَّةِ) ، (وَالْجَبْرِيَّةِ) ، (وَالْمُرْجِئَةِ) ، (وَالْمُجَسِّمَةِ) ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَنْدُوبَةِ إحْدَاثُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. وَمِنْ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلُبْسُ الطَّيَالِسَةِ وَتَوْسِيعُ الْأَكْمَامِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ. انتهى انتهى {المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي} ...