وَقَوْلُهُ: {أَمْ حَسَبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ ظَنَّ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ، وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، وعَبَدُوا غَيْرَهُ، أَنْ نَجْعَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، كَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فَأَطَاعُوا اللَّهَ، وَأَخْلَصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ، كَلَّا مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، لَقَدْ مَيَّزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَجَعَلَ حِزْبَ الْإِيمَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَحِزْبَ الْكُفْرِ فِي السَّعِيرِ.
عَنْ قَتَادَةَ: «لَعَمْرِي لَقَدْ تَفَرَّقَ الْقَوْمُ فِي الدُّنْيَا، وَتَفَرَّقُوا عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَبَايِنُوا فِي الْمَصِيرُ»
وَقَوْلُهُ: {سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {سَوَاءً} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ (سَوَاءٌ) بِالرَّفْعِ، عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُتَنَاهٍ عِنْدَهُمْ عِنْدَ قَوْلِهِ: {كَالَّذِينَ آمَنُوا} وَجَعَلُوا خَبَرَ قَوْلِهِ: {أَنْ نَجْعَلَهُمْ} قَوْلَهُ: {كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ، ثُمَّ ابْتَدَأُوا الْخَبَرَ عَنِ اسْتِوَاءِ حَالِ مَحْيَا الْمُؤْمِنِ وَمَمَاتِهِ، وَمَحْيَا الْكَافِرِ وَمَمَاتِهِ، فَرَفَعُوا قَوْلَهُ: «سَوَاءٌ» عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: { «سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ» } قَالَ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُؤْمِنٌ، وَالْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَافِرٌ""
عَنْ لَيْثٍ، قَالَ: «بُعِثَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالْكَافِرُ كَافِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا»