{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ... (20) }
وأكمل الناس أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك، كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف.
وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال:"ما هذا"؟
قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم.
فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه؟
أما سمعت الله تعالى يقول: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} .
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير بن حازم قال حدثنا الحسن قال:
قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى على عمر فكنا ندخل عليه كل يوم وله خبز ثلاثة وربما وافقناها مأدومة بالسمن، وربما وافقناها مأدومة بالزيت، وربما وافقناها مأدومة باللبن، وربما وافقناها القلائد اليابسة قد دقت ثم أغلى بها، وربما وافقناها اللحم العريض وهو قليل.
فقال: ذات يوم: إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي إني والله لو شئت لكنت من أطيبكم طعاما وأرقكم عيشا، ولكني سمعت رسول الله يقول:
عير قوما بأمر فعلوه فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}
فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون.
ومن استوفاها هنا حرمها هناك، أو نقص كمالها، فلا يجعل الله لذة من أوضع في معاصيه ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله أبدا. والله أعلم.
(فصل)
قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة.