وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة محمد (صلى الله عليه وسلم)
{... حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ... (4) }
وضع الأوزار: مجاز عن انتهاء أعمال الحرب.
الحرْبُ: حقيقة.
وإسنادُ وَضْعِ الأوزار إلى الحرب مجازٌ عَقْلي.
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) }
أي: أولئكَ المنافقون البعداء عن مهابط الرحمة إلى جهة الدَّرْك الأسْفلِ من النّار الذين لعنهم الله بسبب نفاقهم فأصَمَّهُمْ وأعْمَى أبصارهم.
{فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) }
قول الله عزّ وجلّ في سورة محمّد بشأن تخوّف الذين في قلوبهم مرض من أن يَنْزلَ قرآن يوجب عليهم القتال: {... فأولى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمر فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} .
العزْم على القتال والإِلزامُ به من شأن الرَّسُول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم من شأن أولياء الأمر من بعده، فالأَمْرُ هُو أَمْرُهُمْ.
وقد جاء في هذا النّصّ إسناد العزم إلى الأمر، بدلَ إسناده إلى صاحب الأمر على طريق المجاز العقلي، والملابسة تلاحظ من جِهَتَيْن:
الأولى: أنّ فاعل العزم على القتال هو الذي يَمْلِك الأمر به.
الثانية: أنّ الأمر بالقتال إلزاماً يكون معزوماً عليه.
والغرض البيانيّ فنيَّةُ الأَداء، مع الإِيجاز، ويوجَدُ في هذا المجاز إشعارٌ بأنّ الضرورة أو المصلحة الشديدة لجماعة المسلمين هي الّتي تجعل وليَّ الأمر يَعْزِمُ على الأمر بِالقتال إلزاماً، حتَّى كأنَ أَمْرَ الْمُسْلِمين العامَّ هو صَاحِبُ العزم، وهذا معنى دقيق قد أدّته العبارة القرآنية بأبلغ إيجاز. انتهى انتهى {البلاغة العربية، لحَبَنَّكَة} ...