(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) }
سبحان المتصرف في خلقه بالاغتراب والإذلال ليبلو صبرهم، ويظهر جواهرهم في الابتلاء.
هذا آدم صلى الله عليه وسلم تسجد له الملائكة ثم بعد قليل يخرج من الجنة.
وهذا نوح عليه السلام يضرب حتى يغشى عليه ثم بعد قليل ينجو في السفينة ويهلك أعداؤه.
وهذا الخليل عليه السلام يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة.
وهذا الذبيح يضطجع مستسلماً ثم يسلم ويبقى المدح.
وهذا يعقوب عليه السلام يذهب بصره بالفراق ثم يعود بالوصول.
وهذا الكليم عليه السلام يشتغل بالرعي ثم يرقى إلى التكليم.
وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقال له بالأمس اليتيم ويقلب في عجائب يلاقيها من الأعداء تارة ومن مكائد الفقر أخرى، وهو أثبت من جبل حراء. ثم لما تم مراده من الفتح، وبلغ الغرض من أكبر الملوك وأهل الأرض نزل به ضيف النقلة، فقال: واكرباه.
فمن تلمح بحر الدنيا وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام لم يستهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء.
(فصل ابتلاء العارف مزيد من الكلام)
أعظم البلايا أن يعطيك همة عالية ويمنعك من العمل بمقتضاها، فيكون من تأثير همتك الأنفة من قبول إرفاق الخلق استثقالاً لحمل مننهم، ثم يبتليك بالفقر فتأخذ منهم.
ويلطف مزاجك، فلا تقبل من المأكولات ما سهل إحضاره، فتحتاج إلى فضل نفقة، ثم يقلل رزقك ويعلق همتك بالمستحسنات. ويقطع بالفقر السبيل إليهن.
ويريك العلوم في مقام معشوق، ويضعف بدنك عن الإعادة ويخلي يديك من المال الذي تحصل به الكتب.
ويقوي توقك إلى درجات العارفين والزهاد، ويحوجك إلى مخالطة أرباب الدنيا وهذا البلاء المبين.
وأما الخسيس الهمة الذي لا يستنكف من سؤال الخلق، ولا يرى الاستبدال بزوجته، ويكتفي بيسير من العلم. ولا يتوق إلى أحوال العارفين. فذاك لا يؤلمه فقْد شيء، ويرى ما وجد هو الغاية. فهو يفرح فرح الأطفال بالزخارف، فما أهون الأمر عليه.
إنما البلاء على العارف ذي الهمة العالية الذي تدعوه همته إلى جميع الأضداد للتزيد من مقام الكمال، وتقصر خطاه عن مدارك مقصوده.
فيا له من حال ينفد في طريقه زاد الصابرين.
ولولا حالات غفلة تعتري هذا المبتلى يعيش بها لكان دوام ملاحظته للمقامات يعمي بصره، واجتهاده في السلوك يخفي قدمه لكن ملاحظات الإمداد له تارة ببلوغ بعض مراده وتارة بالغفلة عما قصد. تهون عليه العيش.
وهذا كلام عزيز لا يفهمه إلا أربابه، ولا يعلم كنهه إلا أصحابه.