(فَصْلٌ: مِنْ رَوَائِعِ النُّكَتِ وَاللطَائِفِ فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ)
قَالَ الإِمَامُ القَصَّابُ:
سورة الفتح
قوله - عز وجل -: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) ،
حجة في أشياء:
أحدها: أن الله - جل جلاله - قد نسب الفتح إليه، وإنما فتحه
بأيديهم، ثم يقال: فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة،
وفتوحه كلها، فلا يكون كذبًا، ولا إضافة فعله إليه بمؤثر فيما أخبر
اللَّه به عن نفسه، ولا ما أخبر به عن نفسه - منه - بمانع أن تضاف
الفتوح إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورسول الله، صلى
اللَّه عليه، فتحها مع أصحابه، والإخبار بها عنه وحده لأنه الرئيس،
وميسر الفتح - على الرئيس وغيره - ربهم. فهو الآن حجة على
المعتزلة في الأفعال، وعلى المتنطعين من الناسكين في تضييق
الكلام، الذي ينسبون. ما خالف باطنه ظاهر اللفظ إلى، الكذب، وهذا من جهلهم بسعة اللسان، ولايعرفون الكذب المعدود في عداد الآثام.
وفيه دليل على أن اللَّه - جل جلاله - أثاب نييه - صلى الله عليه وسلم - على شيء هو فعله به، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
وكذا يفعل بجميع المؤمنين، يوفقهم للعمل الصالح، وييسره لهم
ويعينهم عليه، ثم يثيبهم جودا منه وفضلاً.
وفيه دليل على أن النبي - صلى الله عليه - في نبوته وجلالته ومنزلته من اللَّه - كان غير مالك لما سبق به قضاء ربه علمه من الوقوع في ذنب يغفر الله له، فمن بعده من أمته أجدر أَن لا يملكوا ذلك من أنفسهم، وقد ألحقهم الله - جل جلاله، بفضله ورأفته - به
فغفر لهم وكفر سيئاتهم فقال: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)