ومن لطائف ونكات تفسير الخطيب الشربيني:
سورة الفتح
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}
«فَإِنْ قِيلَ» : إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت. فكيف قال تعالى: {فَتَحْنَا} بلفظ الماضي؟
أجيب من وجهين: أحدهما فتحنا في حكمنا وتقديرنا.
ثانيهما: ما قدّره الله تعالى فهو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر واقع لا دافع له. وأمّا حجة قول الأكثرين على أنه صلح الحديبية فلما روى البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناء فتوضأ ثم تمضمض ودعا وصبه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه»، وقيل: جاش حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وقال الشعبي في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} قال فتح الحديبية غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر واطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس.
قال الزهري: ولم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية. وذلك أنَّ المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام.
وقال البغوي: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي: قضينا لك قضاءً مبيناً.
وقال الضحاك: أي بغير مال وكان الصلح من الفتح.
{وَيَنصُرَكَ اللَّهُ}
أي: على ملوك الأمم نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم {نَصْراً عَزِيزاً} أي: يغلب المنصور به كل من ناوأه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذّل بعده لأنّ الأمّة التي تتصف به لا يظهر عليها أحد والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء.