وَقَوْلُهُ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، غَلِيظَةٌ عَلَيْهِمْ قُلُوبُهُمْ، قَلِيلَةٌ بِهِمْ رَحْمَتُهُمْ
{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}
يَقُولُ: رَقِيقَةٌ قُلُوبُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لِينَةٌ أَنْفُسُهُمْ لَهُمْ، هَيِّنَةٌ عَلَيْهِمْ لَهُمْ.
{تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}
يَقُولُ: تَرَاهُمْ رُكَّعًا أَحْيَانًا لِلَّهِ فِي صَلَاتِهِمْ سُجَّدًا أَحْيَانًا
{يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ}
يَقُولُ: يَلْتَمِسُونَ بِرُكُوعِهِمْ وَسُجُودِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَرَحْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ رَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ، بِأَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَيُدْخِلَهُمْ جَنَّتَهُ
{وَرِضْوَانًا}
يَقُولُ: وَأَنْ يَرْضَى عَنْهُمْ رَبُّهُمْ.
وَقَوْلُهُ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}
يَقُولُ: عَلَامَتُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ فِي صَلَاتِهِمْ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السِّيمَا الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ عَلَامَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُعْرَفُونَ بِهَا لِمَا كَانَ مِنْ سُجُودِهِمْ لَهُ فِي الدُّنْيَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَاتُهُمْ تَبْدُو فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
عَنْ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ:"يُعْرَفُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ سُجُودِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} "
عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: «مَوَاضِعُ السُّجُودِ مِنْ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ وُجُوهِهِمْ بَيَاضًا»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ سِيمَا الْإِسْلَامِ وَسَمْتُهُ وَخُشُوعُهُ، وَعَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ يُرَى مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي تَرَوْنَ، وَلَكِنَّهُ سِيمَا الْإِسْلَامِ وَسَحْنَتُهُ وَسَمْتُهُ وَخُشُوعُهُ»