[من روائع الأبحاث]
فصل نفيس في بيان فضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
للإمام العلامة مفتي المسلمين عزِّ الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام السُّلمي
قال عليه سحائب الرحمة والرضوان:
قال الشيخ الفقيهُ الإمامُ العالمُ العاملُ مفتي المسلمين عِزّ الدين
أبو محمد عبد العزيز ابن عبد السلام السُّلمي رحمةُ الله عليه:
قال اللهُ تعالى لنَبيّنا محمدٍ صَلَواتُ الله عليه وسلامُه، مُمْتَنا
عليه، مُعَرِّفاً لِقَدْرِه (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113) .
وقد فَضّل الله تعالى بعضَ الرُسُلِ على بعضٍ فقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) ، فالتفضيلُ الأوّلُ صريح في أصل المفاضلة، والثاني في تَضعيف الفاضلة بدرجات. ونكّرها تنكيرَ التعظيمِ بمعنى
درجات عظيمة.
وقد فَضّل اللهُ تعالى نبيّنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بوجوه:
أوّلها: أنَّه ساد الكُلَّ. فقال صلَّى الله عليه وسم:"أنا سيِّدُ وَلَدِ"
آدمَ ولا فَخْر" (1) . والسيّدُ مَن اتّصفَ بالصّفات العَلِيّة والأخلاقا"
السَّنِيّة، وهذا مُشْعِرٌ بأنَّه أفْضَلُ منهم في الدارَين. أمّا في الدنيا فلِما
اتّصفَ به من الأخلاقِ المذكورةِ، وأمّا فِي الآخرةِ فلِأَنّ جزَاءَ
الآخرةِ مُرَتّب على الأوصَاف والأخلاق. فإذا فَضَلَهُم في الدنيا
في الناقب والصِّفات، فَضَلَهُم في الآخرة في المراتب والدرجات.
وإنّما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:"أنا سيِّدُ وَلَدِ آدمَ ولا فَخْر"
لِيُعَرِّف أمّته مَنْزِلتَه من رَبِّهِ عَزّ وَجَلّ. ولمّا كان مَنْ ذَكرَ
مناقب نفسِه إنّما يذكُرُها افتخاراً في الغالب، أراد صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم أنْ يَقْطَعَ وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّم من الجَهَلَةِ أنَّه ذَكَرَ ذلك افتخاراً،
فقال:"ولا فخرَ".
(1) أخرجه الترمذي، عن أبي سعيد الخدري.