(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
(الأدب السادس: التزام الصمت والوقار في مجلسه - صلى الله عليه وسلم -)
لما خرجه الحافظ أبو نعيم عن «أسامة بن شريك» شاهدا على استعمال هذا الأدب. قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله، كأنما على رؤوسهم الطير» .
ولما ورد عنهم من مدح الصمت في مقام التعلم على الجملة. فقد قالوا:
«إذا جالست العلماء فكن على أن تستمع أحرص منك على أن تقول» .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال لابنه: «تعلم حسن الاستماع، كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثا، وإن طال حتى يمسك» .
قال ابن بطال: وقال أبو الزناد: «الإنصات للعلماء، والتوقير لهم، لازم للمتعلمين لأن العلماء ورثة الأنبياء، وقد أمر الله عباده المؤمنين «ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي، ولا يجهروا له بالقول خوف حبوط أعمالهم» .
وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالسكوت وقرأ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ، ويتأول أنه يجب من الإنصات والتوقير عند قراءة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجب له صلى الله عليه وسلم.
قال: فكذلك يجب توقير العلماء والإنصات لهم، لأنهم الذين يحيون سنته صلى الله عليه وسلم، ويقومون بشريعته.
قال: وقال شريك: كان الأعمش لا يتجاوز صوته مجلسه إجلالا للعلم» اهـ.
ونقل الشيخ أبو عمر عن أبي الذيال قال: «تعلم الصمت كما تتعلم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: خصلة تأخذ بها من علم من هو أعلم منك، وتدفع بها جهل من هو أجهل منك» .
ونقل عن يزيد بن أبي حبيب قال: «إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع. قال: وفي الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم، وفي الكلام تزيّن، وزيادة، ونقصان.
ونقل عنه أنه قال: إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المنصت لينتظر الرحمة.
قال: وقالوا: فضل العقل على المنطق حكمة، وفضل المنطق على العقل هجنة.
قال: وقالوا: لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق».
هذا فيما يخص التزام الصمت على الجملة.
وأما الوقار فقد تقدم في حديث عمر رضي الله عنه: «تعلموا العلم، وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة» .