(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ... (12) }
(فصل الحذر من الحديث عن الناس)
ليس في الدنيا أكثر بلاهة ممن يسيء إلى شخص ويعلم أنه قد بلغ إلى قلبه بالأذى ثم يصطلحان في الظاهر، فيعلم أن ذلك الأثر محي بالصلح.
وخصوصاً مع الملوك، فإن لذتهم الكبرى أن لا يرتفع عليهم أحد، ولا ينكسر لهم غرض، فإذا جرى شيء من ذلك لم ينجبر.
واعتبر هنا بأبي مسلم الخراساني، فإنه غض من قدر المنصور قبل ولايته فحصل ذلك في نفسه فقتله.
ومن نظر في التواريخ رأى جماعة قد جرى لهم مثل هذا، ولا ينبغي لمن أساء إلى ذي سلطان أن يقع في يده، فإنه إذا رام التخلص لم يقدر. فيبقى ندمه على ترك احترازه، وحسرته على مساكنة الظمآن للسلامة أشد عليه من كل ما يلقى به من الهوان والأذى.
ومن هذا الجنس الأصدقاء المتماثلون، فإنك متى آذيت شخصاً وبلغ إلى قلبه أذاك فلا تثق بمودته، فإن أذاك نصب عينه، فإن لم يحتل عليك لم يصْفُ لك.
ولا تخالط إلا من أنعمت عليه فحسب، فهو لم ير منك إلا خيراً فيكون في نفسه، وكذلك الولد والزوجة والمعاملون.
ويلحق بهذا أن أقول: لا ينبغي أن تعادي أحداً ولا تتكلم في حقه، فربما صارت له دولة فاشتفى.
وربما احتيج إليه فلم يقدر عليه.
فالعاقل يصور في نفسه كل ممكن، ويستر ما في قلبه من البغض والود، ويداري من يكنون له الغيظ والحقد، هذه مشاورة العقل إن قبلت.
(فصل لا تسوف في التوبة)
كل من يتلمح العواقب ولا يستعد لما يجوز وقوعه فليس بكامل العقل.
واعتبر هذا في جميع الأحوال، مثل أن يغتر بشبابه ويدوم على المعاصي ويسوف بالتوبة.
فربما أخذ بغتة ولم يبلغ بعض ما أمل.
وكذلك إذا سوف بالعمل أو بحفظ العلم، فإن الزمان ينقضي بالتسويف ويفوت المقصود.
وربما عزم على فعل خير أو وقف شيء من ماله فسوف فبغت.
فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه وعمل بمقتضى ذلك فإن امتد الأجل لم يضره، وإن وقع المخوف كان محترزاً.
ومما يتعلق بالدنيا أن يميل مع السلطان ويسيء إلى بعض حواشيه ثقة بقربه منه، فربما تغير ذلك السلطان فارتفع عدوه فانتقم منه.