(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
(ترهيب)
قال «البلالي شمس الدين» في «مختصر الإحياء» : «الزواجر عن الغيبة طافحة حتى في آية واحدة نهي عنها من وجوه شتى: نهي عن غيبة القلب ظنا، وعن طلب تحقيقه تجسسا، ومتى رأى عيبا حرم التصديق ما احتمل تأويلا، ومتى تحقق نصح حتما وسكت، سترا للنهي عن التلفظ به فاعلا ومفعولا حيث قال تعالى: {بَعْضُكُمْ بَعْضاً} .
وتشبيه المغتاب يأكل الميتة، وهو منفر طبعا وشرعا، والإتيان بهمزة الإنكار ثم بقوله: {أَحَدُكُمْ} . كأنه يقول: هل يوجد أحد في العالم يحب أكل الميتة، ثم المبالغة بلحم الأخ ثم يأكله، ووجه المناسبة إدارة حنكه بالغيبة كالأكل. ثم بقوله: {مَيْتاً} فإنه أبلغ في النفرة، ثم التأكيد بقوله: {فَكَرِهْتُمُوهُ} ثم التعريف بأن من التقوى ترك ذلك، ثم التحريض على التوبة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} .
قال: وصح أن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام. ونواهيها مشهورة جدا، فما ظنكم بكلمة لا نسلم منها بتوبة للمظلمة، حتى تبرأ، فهي أشد على النفس من الربا والزنى، وتمرج البحر، وتنقل حسناتك لغيرك، وتعذب بذنوبه التي تحملتها بغيبته، وإدام كلاب النار، وعرضتك لسخط الله ومقته، وكان تعالى فيها خصمك، ويقال لك: استحييت من الله كاستحيائك من مخلوق لا تعبأ به بحضرته؟! إلى غيرها من آفات وفضائح نسأل الله العافية» اهـ.
وهنا غريبة حكاها «الرشاطي» عن «أبي جعفر الجوزي قال: سمعت إبراهيم بن عثمان الكوفي قال: دعي بنا إلى غسل رجل من المسلمين، فلما دخلت، وكشفت عن وجهه، فإذا بحية في حلقه سوداء، فجزعت ثم قلت لها:
أيها العبد المأمور، إن سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في الموتى غسلهم، فتنصرف من هذا العبد حتى نقيم فيه سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وتعود إلى ما أمرت به، فرأيت الحية قد انسابت من تحت الإزار حتى أتت إلى ناحية من البيت فتطوقت، وأخذنا في أمر الرجل، فلما فرغنا من غسله، وأدرجناه في أكفانه، وأردنا أن نعقد عقدة الرأس، انسابت الحية. وأنا أراها حتى دخلت ما بين الكفن حتى تطوقت في حلق الرجل كما كانت، ثم إني سمعت صوتا مثل صوت الآدميين، وهو يقول لي: يا إبراهيم بن عثمان: أجزعت مني؟! لست بحية، أنا ملك سلطني الله على هذا الرجل آكل لحمه إلى يوم القيامة كما كان يأكل لحوم الناس».